علاقات النسب والمصاهرة التنظيمية.. ملامح رئيسية في خارطة نفوذ الإخوان

الاثنين 2014/01/27
غالبية الأخوات لسن سوى زوجات وبنات لقيادات إخوانية معروفة

ترتبط جماعة الإخوان المسلمين بشبكة واسعة من علاقات المصاهرة والنسب بين قياداتها، وأبناء أعضاء مكتب الإرشاد، حيث يجمع المراقبون على أن هذه العلاقات ضمنت للجماعة، قوة ترابط صفوفها، وتماسكها ضمن تكتل اجتماعي مدروس توارثته.

يقدم الكاتب الصحفي د.ياسر ثابت صورة عن قرب لجماعة الإخوان المسلمين، والتشابك العائلي وتأثيره سواء على التنظيم أو علاقاته وتعاملاته الاقتصادية،في كتابه الجديد، الذي يحمل عنوان “زمن العائلة: صفقات المال والإخوان والسلطة”، مؤكدا أن هذا الولاء العشائري الذي حكمته انتماءات الجماعة وعلاقات النسب والمصاهرة وشبكة المصالح، أغرق مصر في دوامةٍ لا تنتهي من الأزمات.

يتحدث المؤلف في كتابه الصادر عن دار ميريت عن دور العائلة في الجماعة، فيقول “إذا كانت العائلات تتوارث المهن والمناصب، فإن جماعة الإخوان المسلمين تتبنى فلسفة مفهوم العائلة ببراغماتية سياسية واقتصادية لا تخطئها العين”. ويرى أن الجماعة تتسم بملامح قوية لتنظيم اجتماعي عائلي تراتبي، يملي، بين أشياء أخرى، قوالب أيديولوجية، وعلاقات مصاهرة، وتحالفات سياسية واقتصادية”.

مشيرا إلى أن عزلة هذه القبيلة اختيارية، إذ يعتبر أفرادها أنفسهم، بدرجة أو بأخرى، خارج المجتمع، ويرون أنهم يتمايزون على غيرهم بانتمائهم إلى الجماعة، أو تلك العائلة التي ترتبط بما هو أكثر من النهج الديني والأيديولوجي الموحد، لتشمل علاقات النسب والمصالح التجارية والاقتصادية.

هذا الجمود أو الانغلاق هو آفة الكثير من التنظيمات السرية التي تجد أن انكفاءها على أفرادها هو سرُّ قوتها، لذا نجدها ترفض دعاوى الإصلاح أو التغيير من الداخل، وتتخلص ممن يتحدث عن فضيلة التفكير أو ضرورة التغيير. وأضاف أن خطورة السرية أنها تورث الازدواجية بين السرية والعلنية، كما أنها تصبح مبررًا للاستبداد بالرأي والانفراد باتخاذ القرار تحت دعوى أن القيادة – أو العائلة الكبيرة- تعرف أكثر، فيتحوّل التنظيم إلى جهاز تواكلي يورث الاستبداد والخمول والركود.

تقوم الجماعة في داخلها على الصلات الاجتماعية، والروابط الأسرية، والتوريث، إنها منظومة مغلقة من العلاقات تغذيها المصالح، وتغلفها الشعارات الدينية، لتصبح في نهاية الأمر خليطـًا من العشائرية ومسحة من التدين.

ويؤكد ياسر ثابت أن بوابة علاقات النسب والمصاهرات التنظيمية، شكلت ملامح رئيسية في خارطة نفوذ الجماعة الإخوانية “فقد تزوج القيادي الإخواني سعيد رمضان من وفاء ابنة حسن البنا، وقام في باكستان وأوروبا بدور إنشائي وتنظيمي خطير جعله المنسق العام الدولي للجماعة، وظل عاملاً نشطـًا في سويسرا حتى وفاته عام 1995.

ويورد الكاتب الأميركي روبرت دريفوس كثيرًا من الشهادات والأقوال الموثقة عن علاقة سعيد رمضان بالأجهزة الأوروبية والأميركية والباكستانية، كما امتد نشاطه إلى فلسطين. وتزوج محمد بديع المرشد العام للإخوان المسلمين بعد خروجه من السجن، من سمية ابنة القيادي الإخواني محمد الشناوي، الطيار السابق وعضو النظام الخاص في عهد البنا، الذي تحوَّل بديع بفضله إلى أحد أخلص رجال مصطفى مشهور، الصديق الحميم للشناوي. ورزق بديع من سمية بثلاثة من الأولاد، (عمَّار، بلال، وضحى)، وثلاثة أحفاد، (رؤى، حبيب، وإياد).

وكشف حزب الحرية والعدالة – المنحل- أن القيادي الإخواني محمد علي بشر تربطه علاقة نسب مع محمود حسين الأمين العام لجماعة الإخوان، الذي تزوج نجله المهندس ياسر من سارة ابنة بشر، وأن أسامة الحسيني رئيس “المقاولون العرب” إخواني من عائلة عسكرية، وأنه صديق الرئيس المعزول محمد مرسي وتزاملا في كلية هندسة الزقازيق، بالإضافة إلى أن محمد صفوت عبدالدايم أمين عام مجلس الوزراء كان مشرفـًا على رسالة الدكتوراه لرئيس مجلس الوزراء في عهد الإخوان، هشام قنديل”.

وأضاف أن فترة حكم الجماعة بينت المزيد من علاقات المصاهرة، فـ”هناك علاقة نسب قديمة بين رئيس مجلس الشورى أحمد فهمي والرئيس المعزول محمد مرسي (الأول هو زوج شقيقة الثاني وحمو ابنته)، وعلاقة نسب حديثة جمعت عائلة الكتاتني مع المجلس العسكري، وصاحبتها انتقادات حادة عنوانها “الإخوان ناسبوا العسكري” ، رغم أنه لا توجد مشكلة في هذا التقارب العائلي ما دام بعيدًا عن حسابات تولية المناصب ودوائر صناعة القرار”.


مصاهرات في السجون


وحول الدور الذي لعبته المصاهرة في حماية وحفظ وتوسيع نفوذ الجماعة، قال ياسر ثابت “مرت على جماعة الإخوان موجات عدة من الاعتقالات التي كانت في الغالب جماعية، هذه الاعتقالات تحديدًا كانت فرصة للتقارب العائلي بين أفراد الإخوان، فعادة ما يكون لساحات الزيارة في السجون الفضل في التعارف بين عائلات بالكامل، خاصة في ظل عدم الثبوت في جداول الزيارات، الأمر الذي يجعل الفرصة أوسع في تعارف أكبر قدر من العائلات الإخوانية في ظل وجود الشعور بالمحنة الواحدة والهم المشترك، فالأزمات هي التي تقرب الناس من بعضهم البعض.

المثال الواضح على ذلك ما جرى عقب قضية تنظيم سيد قطب 1965، وهي القضية التي تم إعدام سيد قطب بموجبها، واتهمت فيها الجماعة بتدبير خطة محكمة لقلب نظام الحكم، وهي من أكبر المحن التي مرت على الجماعة، ومن هذه القضية خرجت أكبر موجة مصاهرات في تاريخ الجماعة بين قيادات التنظيم الخاص بمن فيهم المرشد السابق مهدي عاكف والمرشد الأسبق مصطفى مشهور. ومع ذلك فلم يسمح دعاة المصاهرة داخل الجماعة بترك الموضوع للصدفة أو لفترات الاعتقال لتكفل التعارف بين الإخوان وبعضهم البعض، فقد تبنوا الدعوة وسهلوا التعارف بين العائلات وأشرفوا على ذلك بأنفسهم”.
المصاهرات لم تنجح في تحويل الإخوان إلى عائلة واحدة وإنما حوَّلتها إلى مجموعة من التكتلات العائلية والتحالفات الداخلية

وفي عهد مهدي عاكف، ضم مكتب الإرشاد نفسه وعلى رأسه المرشد العام – حينذاك- أربعة أعضاء بينهم صلات مصاهرة، فوفاء عزت زوجة محمد مهدي عاكف هي شقيقة محمود عزت، نائب المرشد، والرجل الذي ظل لسنوات يُحرك بيديه خيوط الجماعة في صمت من وراء الكواليس. كان عاكف وعزت زميليّ زنزانة في قضية تنظيم سيد قطب 1965، وخرج عاكف من السجن 1974 وعمره 45 سنة، في حين كانت وفاء قد حصلت على الثانوية العامة في العام نفسه.

وعلى الرغم من فارق العمر الكبير بينهما، فقد تم الزواج وسافرت وفاء معه إلى السعودية، حيث كان يعمل مديرًا للندوة العالمية للشباب الإسلامي، ولتنجب له أبناءه الأربعة عاكف وعلي وعلا وعلياء. أما شقيقة محمود عزت الثانية فقد تزوجت من محمود عامر، الذي كان رئيس المكتب الإداري للجماعة في المنزلة حتى وفاته.

وضرب ثابت مثالا آخر ببيت خيرت الشاطر نائب المرشد العام بقوله “بيت الشاطر نفسه مليء بصلات مصاهرة مع قيادات إخوانية قديمة وحديثة. فالزهراء الابنة الكبرى والأشهر لخيرت هي زوجة القيادي الإخواني المهندس أيمن عبدالغني، الذي قضى عقوبة السجن مع خيرت الشاطر في قضية الأحكام العسكرية. تزوج أيمن من الزهراء وأنجب منها أطفاله الأربعة سارة وأنس وسلمان وحبيبة. شغل أيمن منصب نائب رئيس قسم الطلبة بجماعة الإخوان المسلمين، ثم أصبح أمين شباب حزب الحرية والعدالة، وهو شقيق كل من محمد عبدالغني عضو مجلس شورى الجماعة، ومسؤول القسم السياسي السابق بالجماعة.

وكذلك عمر عبدالغني مسؤول مكتب إداري جنوب القاهرة. وتزوجت رضوى الشاطر من عبدالرحمن علي – أحد القيادات الشابة بقسم نشر الدعوة بالجماعة- بينما تزوجت ابنته سمية إخوانيـًا بارزًا آخر هو الصيدلاني خالد أبو شادي، الذي يشغل منصبـًا قياديـًا في قسم نشر الدعوة والتربية وحقق نجاحـًا منقطع النظير في مجاله، بحيث لا يخلو بيت إخواني من مؤلفاته الدعوية وتسجيلات الإنشاد والأذكار الخاصة به، كما تلقى ندواته إقبالاً بين شباب الإخوان، وهو ابن القيادي التاريخي بالجماعة أحمد أبو شادي، الذي كان مسؤولاً عن قسم الأخوات في بداية نشأته، كما كان مسؤولاً عن منطقة مدينة نصر.

أما عائشة الشاطر فهي زوجة محمد الحديدي مسؤول الإخوان المسلمين في ألمانيا لسنوات طويلة، وهو نجل صالح الحديدي أحد أعمدة النظام الخاص في الإخوان. وحفصة الشاطر هي زوجة مصطفى حسن، في حين أن مريم الشاطر هي زوجة أحمد علي درويش. أما سارة الشاطر التي عُقد قرانها أثناء وجود والدها خلف القضبان، فهي زوجة المهندس الإخواني عبدالرحمن ثروت.

لم تقف علاقات المصاهرة على مكتب الإرشاد فقط، بل تجاوزته لتشمل كافة مستويات الجماعة، فالدكتور سليم العوا نفسه متزوج من أماني، ابنة حسن العشماوي، أحد أبرز قيادات التنظيم الخاص والذي نجح في الهرب من مصر إلى ليبيا عقب حادث المنشية في أكتوبر 1954، ثم سافر إلى السعودية وظل هناك حتى وفاة الرئيس جمال عبدالناصر. وكان الإخواني منير الدلة متزوجـًا من شقيقة حسن العشماوي.

لم يشذ عن قاعدة المصاهرات الإخوانية إلا عصام العريان الذي كان قد تزوج من فاطمة، شقيقة صلاح فضل والذي كان أحد المحكوم عليهم في قضية الفنية العسكرية في الوقت الذي كان لم يزل فيه طالبـًا بكلية طب القاهرة، وإن كانت ابنة العريان قد تزوجت الدكتور أحمد مصطفى أحد القيادات الإخوانية الشابة بنقابة الأطباء.


التحالفات الاقتصادية


تشابك علاقات المصاهرة مع التحالفات الاقتصادية كان محورا مهما في الكتاب حيث يؤكد أن التحالفات الاقتصادية داخل الجماعة، كان لعلاقات المصاهرة مفعول السحر فيها. فـ “حسن مالك رجل الأعمال الإخواني وشريك خيرت الشاطر وزميله السابق في قضية الأحكام العسكرية، متزوج من جيهان عليوة شقيقة رجل أعمال إخواني آخر هو محمد سعد عليوة صاحب شركة “الحجاز لتوظيف الأموال”، وقد أنجب حسن مالك من جيهان أبناءه السبعة: معاذ وخديجة وعمر وأنس وحمزة وعائشة وأحمد، ويعمل ثلاثة منهم – هم معاذ وخديجة وعمر- في إدارة مصانع الأب.

ومن ناحية أخرى، يعد حسن مالك نفسه حلقة الوصل بين عائلتين من أشهر العائلات الإخوانية هما عائلتا أبو الفتوح والزعفراني، فشقيقته الأولى هي زوجة للدكتور خالد الزعفراني القيادي الإخواني الأسبق وابن عم إبراهيم الزعفراني القيادي الإخواني السابق، أما شقيقة مالك الثانية فهي زوجة لأحمد أبو الفتوح الشقيق الأصغر للدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح رئيس حزب “مصر القوية” وعضو مكتب الإرشاد سابقـًا.


عالم الأخوات

"إذا كانت العائلات تتوارث المهن والمناصب، فإن جماعة الإخوان المسلمين تتبنى فلسفة مفهوم العائلة ببراغماتية سياسية واقتصادية لا تخطئها العين".


يمتد تأثير مصاهرات الجماعة من الاقتصاد إلى السياسة حيث يتم ترشيح الزوجات في الانتخابات النيابية والنقابية “إن غالبية الأخوات اللاتي تسعى الجماعة إلى تقديمهن للحياة السياسية بترشيحهن للانتخابات العامة يحملن على أكتافهن تاريخـًا حافلاً بالمصاهرات بين قيادات الجماعة، ولسن في الحقيقة سوى زوجات وبنات لقيادات إخوانية معروفة. مثل “جيهان الحلفاوي، أول وجه نسائي قدمته الجماعة للحياة السياسية في انتخابات عام 2000، هي زوجة القيادي الإخواني السابق بالإسكندرية إبراهيم الزعفراني، والذي كان عضو مجلس شورى الجماعة، حتى استقالته منها في إبريل 2011 بهدف تأسيس حزب النهضة”.

و”مكارم الديري” زوجة للحاج إبراهيم شرف سكرتير مكتب الإرشاد السابق، والتي تزوج منها بفضل علاقته الوثيقة بعمها ممدوح الديري، الذي كان أحد قيادات تنظيم سيد قطب 1965. صدر ضده حكم بالسجن عشر سنوات في القضية، ليخرج بعدها من السجن ويشغل منصب أستاذ بجامعة الزقازيق.

وفاء مشهور، كانت حلقة الوصل القوية بين والدها مرشد الإخوان الأسبق مصطفى مشهور وزوجها محمد عبدالجواد أحد بناة التنظيم الدولي للإخوان. كان الأخير زميلاً لمصطفى مشهور في قضية تنظيم سيد قطب أيضـًا، ثم تزوج من وفاء بعد خروجه من السجن لتسافر معه إلى فرنسا حيث كان يقوم بتحضير رسالة الدكتوراه. وهناك كان مصطفى مشهور قد اتخذ من منزل زوج ابنته مقرًا لبناء التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ثم عاد بعدها محمد عبدالجواد إلى مصر ليشغل منصب أستاذ بكلية الهندسة جامعة أسيوط.

الغريب أنه في الوقت الذي يرى فيه البعض أن هذه المصاهرات جعلت من جماعة الإخوان المسلمين عائلة واحدة، إلا أن هناك من يرى وبقوة أن هذه المصاهرات لم تنجح حقيقة في تحويل جماعة الإخوان المسلمين إلى عائلة واحدة وإنما حوَّلتها إلى مجموعة من التكتلات العائلية والتحالفات الداخلية يظهر تأثيرها بوضوح أثناء الصراعات والخلافات التنظيمية.

وأصبحت هذه المصاهرات عاملاً أساسيـًا يشكل العلاقات بين أعضاء مكتب الإرشاد أنفسهم ويحدد نمط التحالفات بينهم بل ويتوقف عليه في الكثير من الأحيان دعم نفوذ المرشد أو أي من أعضاء مكتب الإرشاد عن طريق انتمائه إلى أحد التكتلات العائلية. تحقق ذلك بوضوح في مكتب الإرشاد في عهد المرشد مهدي عاكف، والذي شهد علاقات مصاهرة بين مهدي عاكف ومحمود عزت وبين خيرت الشاطر ومحمود غزلان الذين يمثلون جبهة واحدة لصقور الجماعة، وهي الجبهة التي حالت دون دخول كثيرين إلى مكتب الإرشاد.


مكتب الإرشاد


بحث المؤلف تركيبة مكتب الارشاد كاشفا عن الكثير من التفاصيل قائلا “الناظر إلى تركيبة مكتب الإرشاد في عهد مرشد الإخوان محمد بديع، وكذا مجلس الشورى العام والمكاتب الإدارية بالمحافظات سيتضح له أمران، أولهما ظاهرة المصاهرات بين القيادات والكوادر في الجماعة بشكل لافت للانتباه، وثانيهما تمام سيطرة رجال النظام الخـــاص وعقليته المغلقة على قيادة الجماعة”.

تلك المجموعة من النظام الخاص هي مركز القوة المتحكمة الآن في الجماعة، وهي من أتت بمحمد بديع بانتماءاته القطبية، واستبعدت محمد حبيب وعبدالمنعم أبو الفتوح وغيرهما. ولهذا بطبيعة الحال تبعاته، في ظل احتضان الجماعة – في عهد بديع- تراث سيد قطب الشمولي أكثر من تجسيدها رؤية حسن البنا الدعوية.

ويسهل أيضـًا التوقف أمام ظاهرة الجنازات أو الأفراح الإخوانية التي تبدو مناسبة اجتماعية تؤكد فيها الجماعة انفصالها حتى في لحظاتها الاجتماعية عن المجتمع، حتى وإن حرصت على أن تتمظهر أكثر حرصـًا على الأخلاقية والانضباط”.

7