علاقات تائهة بين السطور

كل مشاعرنا التي تقبل القسمة على أكثر من واحد، تحتاج إلى نفس مفردات المعادلة حين نريد المزيد من الفهم الواعي لعلاقتنا بالآخر.
الاثنين 2018/03/05
العدل أن نترك رسائل واضحة

بين السطور إشارات ودلالات لا يفهمها الكثيرون، لست من هواة تأنيب غيري وصب اللوم فوق رؤوس أصدقائي في جلسات عتاب طويلة حيث يلقي كلّ منا باللوم على الطرف الآخر ولا يريد أي أحد منا الاعتراف حقا بخطئه، بل يفصل ثوب الفضيلة بمقاس يناسبه هو دون غيره ويرتديه قانعا مبتهجا، لا يريد أي إنسان مهما كانت درجة تصالحه مع نفسه الاعتراف بالخطأ كما لو كان الجميع رسلا وأنبياء ومدعي قداسة.

أكتفي دائما في علاقتي بزوجي وأمي وأصدقائي بنظرة عاتبة دون الدخول في تفاصيل، أترك الطرف الآخر ليقرأ رسالة ما، تركتها له وسط السطور، وغالبا لا يجدها ولا يقرأها.

أبعثر مشاعري في طرقات الحياة ليجدها عابر سبيل، لكن يبدو أنها تتوه وسط الزحام ولا يعثر عليها أحد. أكثر من مرة أطلقت لقلبي العنان ودخلت في حالة من الخصام والغضب مع أمي في صغري وطفولتي ومراهقتي، حتى في سنوات شبابي الأولى ظللت على نفس الحال. أغضب في صمت وأصوم عن الكلام لتفهم أمي سر غضبي دون جدوى، فلا أمي تستطيع قراءة رسالة تركتها قصدا بين السطور ولا الخلافات حُلت كما أردتها، فقط أضعت عمري ورسائلي الساذجة تتوه في الفراغ، تنسكب كماء شحيح في جوف رمال حارقة، فلا الماء بقي لنراه جليا ولا الرمال ارتوى عطشها.

مرت سنوات عمري وتزوجت من الرجل الذي أحببت، ورأيته الرجل الوحيد على وجه الكون الذي يستحق البقاء بجانبه، تخيلت أنه سيفهم رسائلي دون اضطرار للبوح بتفاصيلها لكن دون جدوى. ضلت جميع رسائلي طريقها، ليس لعيب فيه ولكن لأن علاقات البشر تحتاج إلى شيء من الإفصاح، البوح اللازم لحل الخلافات والتفاهم الواجب تجنبا لتكرار نفس الأخطاء، ففي البدء كان الكلام.

تركت له مثلما كنت أترك لأمي رسائل كثيرة بين السطور لم تصله، لم يقرأها وظللت وحدي أحب بالصمت وأغضب بالصمت، وأعاتب بالصمت، حين يحدث بيننا خلاف ما أرمقه بنظرة فاحصة لائمة وكفى، بهذا أبرّئ ذمتي أمام قلبي. كلمات كثيرة ابتلعها صمتي وتاهت. أدركت أن التجاهل لا يحل المشكلات وأن الكثير منا لا يفهم ما بين السطور، وأن الرسائل الحقيقية هي التي نكتبها بوضوح ونقرأها أو نجبر الآخرين على قراءتها بوضوح وأن الغضب كالحب تماما يجب الإفصاح عنه، أنا أحبك لا تعني شيئا آخر غير أنا أحبك، ولكن الخجل من الاعتراف بالحب أو التصريح بأي مشاعر حتى لو كانت سلبية لا يفيد.

حين أخطأ في حقي يوما ما غضبت بصمت لمدة شهر كامل، صمت عن الكلام وبعدها رفضت الطعام في محاولة لعقاب نفسي أو ربما كان رفضي رسالة أخرى بمقاطعة كل أسباب الحياة، كان غضبي أكبر من أن أبتلعه وأستطيع مواصلة الحياة، كل يوم يكبر بداخلي وينمو أمام عيني وحدي، لا يراه غيري، مرت علي الأيام ثقيلة، أكبر من استيعاب من حولي، كالبالون ينتفخ كل يوم في انتظار “شكة دبوس” أو ضغطة صغير لينفجر في وجهي قبل أن ينثر فتاته في وجه كل من حولي.

شاخت علاقة صديقتي بزوجها بعد عشرين عاما من زواج مبكر أثناء سنوات الدراسة، مشادات كلامية قاسية وتوترات متعاقبة، غضبت من تودد زميلة عمل صغيرة في السن له ومحادثتهما الهاتفية الطويلة، لم تسأله أو تعطه الفرصة للتوضيح، اكتفت بغضب شاحب دون إفصاح، ظنت أنه سيفهم ما بين السطور! طلب معرفة أسباب الغضب الدائم فلم تخبره.

أخبرها بدعوة زميلة العمل تلك إلى غذاء بيتي ساخن، انفجرت في وجهه وانفجر هو ضاحكا، ابنة جيرانهم القدامى والمرحوم صديق عمره!

العتاب يجب أن يكون بكلمات واضحة صريحة قوية، حين صار لي أبناء تعلمت منهم البوح بمشاعري وألا أبدأ في اتخاذ خطوات جادة نحو العقاب إلا بعدما يفهم طفلي السبب الحقيقي وراء هذا العقاب، وأن أظهر له لماذا يعاقب وعلى أي الأفعال، ومتى ينتهي عقابه وما جدواه، وجدت لزاما على نفسي أن تتخذ الأمور بالشدة والحزم، أن تضع الأمور في نصابها أكثر وألا تعالج بمشاعر فردية من طرف واحد ما هو ملك لاثنين.

كل مشاعرنا التي تقبل القسمة على أكثر من واحد، تحتاج إلى نفس مفردات المعادلة حين نريد المزيد من الفهم الواعي لعلاقتنا بالآخر. فليس من العادل والمنصف أن نحب في صمت أو نكره في صمت ولكن قمة العدل إشراك شركائنا في الرحلة في كافة التفاصيل وأن نترك رسائل واضحة ولا نلقي في وجه الطرف الآخر بكلمات متقاطعة عليه أن يقوم بفك شيفرتها، وحل ألغاز كئيبة لا تخصه.

21