علاقات تونسية ليبية عريقة عصية على الوقوع في براثن التوتر

يزخر التاريخ الجامع بين التونسيين والليبيين، بمختلف فصوله وتعرجاته وثناياه، بنقاط تلاق مضيئة وبمبادرات تنقية للأجواء وجهود فردية وجماعية تأبى في كلّ مرّة يحتدّ فيها الجدل بين البلدين حول ظرف طارئ ما، إلاّ أن تلعب دور الضمانة لعدم انزلاق الأمور إلى براثن التوتر، وأن تكون بمثابة المُعدّل الطبيعي الذي تنتفي معه الخلافات جميعها إعلاء للمشترك العريق والمصير الموحّد الواحد. هو اليوم الدراسي الذي انتظم برعاية جريدة “العرب”، وجمع ثلة من الباحثين والمفكرين من البلدين، يتنزل في سياق هذه الجهود التي لم تترك يوما سبيلا للخلافات أن تتحول إلى أزمات يصعب حلها بين الشقيقين العربيّين.
الجمعة 2015/10/02
ندوة ترنو إلى وضع حجر الأساس لبداية حوار جدي بين الطرفين يذيب جل الخلافات القائمة

تونس- تمرّ كلّ من تونس وليبيا، منذ أكثر من أربع سنوات على سقوط النظامين السابقين، بمرحلة صعبة ودقيقة تتميّز ببطء عملية استعادة العافية الاقتصادية والأمنية في الأولى وتفكّك أجهزة الدولة واحتدام الصراع بين الفرقاء السياسيين في الثانية، في فترة مازال فيها التونسيون والليبيون مع اختلاف الظروف بين البلدين يتحسّسون طريقهم نحو المستقبل بإرساء مؤسّسات ثابتة وتقاليد جديدة في الحكم، من شأنها أن تحقّق الاستقرار والتنمية والنهوض بمستقبل البلدين.

ومن البديهي في هذا الظرف الّذي يتميّز بالتوتّر الشديد والعنف واستفحال الإرهاب الذي وجد في البلدين حاضنة للنموّ والترعرع أن يسود العلاقة بينهما بعض الارتباك خاصة على المستوى “الرّسمي” تغذّيها بعض التصريحات المتسرّعة وغير الدقيقة والمدروسة من أطراف متعدّدة، ما بات يهدّد إذا لم يقع التنبيه والتصدّي لذلك من قِبل الإعلاميين والمثقفين والناشطين في المجتمع المدني بتعكير صفو التلاحم التاريخي الذي طالما كان قائما بين الشعبين، بل “الشعب الواحد في القطرين” (مثلما درج على تسميتهما القاصي والداني) الذي ما انفك يبرهن، وخاصة في المحن التي عرفها التاريخ المعاصر للبلدين منذ الاحتلال الفرنسي لتونس سنة 1881 وغزو الإيطاليين لليبيا سنة 1911 وصولا إلى السنوات الأخيرة التي وجد فيها التونسيون والليبيون أنفسهم في خندق واحد لرفع تحدّي هذه المرحلة، على تصميمه أكثر من أيّ وقت مضى للمضيّ بهذا التضامن إلى أقصى درجاته من التعاون المثمر وبناء المستقبل المشترك.

في هذا الصدد وبرعاية وإشراف من جريدة “العرب”، ارتأت وحدة البحث في إنتروبولوجيا الثقافة العربية والمتوسّطيّة بكلّية الآداب بمنوبة، أن تنظّم يوما دراسيا حول الذاكرة التونسيّة الليبيّة المشتركة، احتضنته العاصمة تونس يوم 30 سبتمبر الجاري وشهد مشاركة عدد من الأكاديميين والمثقفين الليبيين والتونسيين، تطارحوا خلاله بالبحث والتمحيص العلمي الدقيق مجمل الصفحات الشاهدة عن التضامن الليبي التونسي في سنوات الجمر والمحن في التاريخ المعاصر، مشددين على أن يكون هذا النشاط أفضل درس ليس فقط للأجيال الجديدة التي تجهل الكثير عن قصص هذا التضامن ومآثره، وإنّما كذلك لكلّ من تسوّل له نفسه، عن جهل أو عن سوء نيّة أن يحاول عبثا تعكير صفو هذه العلاقة المتميّزة بين الأشقاء في البلدين.

محمد أحمد الهوني: العلاقات القائمة بين البلدين ستظل عصية على محاولات بث الفتنة

وقد كانت هذه التظاهرة فرصة للباحثين من البلدين لينظروا في الإستراتيجية المثلى التي ينبغي توخّيها للتصدّي لكلّ مظاهر العبث بالعلاقة بين القطرين ولتدعيم التعاون بينهم من أجل المساهمة في نحت المستقبل المشترك على قواعد صلبة ومتينة وانتشالها من الأهواء الفرديّة والأمزجة الذاتيّة والانفعالات الظرفيّة.

علاقات ضاربة في القدم

لطالما اتّسمت العلاقات التونسية الليبية بكونها عريقة قائمة على مبدأ التآخي والتآزر في المحن والمسرّات على حدّ سواء. علاقات ضاربة في القدم تشهد صفحات عديدة من التاريخ على متانتها وسُموّها على الحسابات الضّيقة التي عادة ما تحكُم العلاقات القائمة أو تلك المُبرمة بين الدول، يقول عنها الباحث عبدالله المحمودي، وهو أحد المشاركين في الندوة، إنها كانت تتسم بالوحدة في أحيان كثيرة.

ولدى تقديمه لورقة تناول فيها العلاقات الليبية التونسية خلال القرن التاسع عشر، أي إبان الحكم العثماني، أشار المحمودي إلى أن هذه العلاقات لطالما كانت متّجهة بطبعها نحو الوحدة نظرا لتشابه ظروف العيش بين الشعبين التونسي والليبي، حيث كانا يعانيان من كثرة الضرائب والجباية المفروضة عليهما من “مركز الخلافة” حينها.

وأضاف أنّ العديد من الملاحم التاريخية أسهمت بدورها في ترسيخ تلك العلاقات وتوطيدها، حيث كانت ليبيا بمثابة الحضن الأقرب الذي التجأ إليه التونسيون إبّان الاحتلال الفرنسي لتونس سنة 1881، كما كانت تونس بدورها حاضنة لليبيين الذين دفعتهم وحشية المستعمر الإيطالي بدايات القرن العشرين إلى مغادرة بلادهم. ومازالت هذه السنّة الحميدة التي ترسخت مع مرور الزمن في قلوب الشعبين الجارين وأفئدتهم قائمة إلى اليوم.

وأكد المحمودي أنّ ليبيا وتونس مرتا بالعديد من الأزمات، كانتشار الأوبئة، التي عصفت بحوالي نصف سكان الإيالة التونسية آنذاك، وتنامي الممارسات القمعية الاستعمارية، إلاّ أن التاريخ الواحد الذي يجمع البلدين حال دون أن تُشكّل الحدود الزائفة التي حاول الاستعمار آنذاك رسمها وفرضها بالقوة، عائقا أمام تنقل المقاومين عبر الطرق الصحراوية خصوصا من جهة الجنوب الشرقي لتونس وغرب ليبيا، حتى تشكلت نواة مشتركة أولى لمقاومة المستعمر بين البلدين يقودها خليفة بن عسكر في تونس وعمر المختار في ليبيا. وقد سجّل التاريخ عديد المعارك المشتركة بين الشعبين، والكلّ يتذكر ثورة المُقاوم التونسي علي بن غذاهم ضد الاستعمار الفرنسي، والتي انطلقت من ليبيا وتشكلت أولى لبناتها بالأساس على أراضيها.

ويذهب الباحث الليبي إلى أنّ التمرد على الباب العالي في تركيا كان بدوره نهجا مشتركا بين البلدين، حيث عمد باشوات ليبيا آنذاك وبايات تونس إلى محاولة الاستقلال، ولو صوريا، على “فرامانات” وأوامر الأساتنة في إسطنبول.

ثوابت لا تتأثر بالخلافات العابرة

فرضت جملة التحديات الجديدة التي باتت مطروحة أمام تونس وليبيا على إثر الانتفاضتين اللتين شهداهما سنة 2011 وانتهتا بإسقاط نظامي الحكم فيهما، شبه ارتباك في العلاقات القائمة بينهما، خاصة في ظل تنامي الخطر الإرهابي في ليبيا التي تشهد اقتتالا داخليا ونشاطا مطّردا للجماعات الجهادية والميليشيات المسلحة على أراضيها وما فرضه ذلك على تونس من إجراءات وقائية، تسعى بعض الأطراف إلى استغلالها لتعكير صفو العلاقات بين البلدين مسقطة من حساباتها، سهوا أو عمدا، عراقة تلك العلاقات.

ولدى تطرقه للحديث عن صعوبة أو استحالة تعكير صفو تلك العلاقات، قال الإعلامي مصطفى عبدالكبير، في سياق مداخلته التي قدّمها في الندوة، إنّ الثورتين اللتين شهدتهما تونس وليبيا سنة 2011 كانتا خير دليل على رقي ومتانة الروابط التي تجمع بين التونسيين والليبيين، وقد قدّمتا أفضل مثال على تواصل الروابط القوية التي تربط بين الشعبين واستحالتها أمام جميع محاولات الصيد في الماء العكر، حيث أنّ الليبيين لن ينسوا يوما كيف سارعت تونس باستقبال حوالي مليون مواطن ليبي في الفترة الممتدّة بين مارس وسبتمبر 2011، مؤكّدا أنّ التونسيين مدوا يد المساعدة ولم يدخروا جهدا في إيواء أشقائهم، رغم قلّة الإمكانيات أحيانا.

محمد الجويلي: التاريخ المشترك بين تونس وليبيا متجذر ولا يمكن نفيه أو نسيانه

وذهب عبدالكبير إلى أنّ هذه الفترة التي تعيشها ليبيا والتي تتسم بتفشي الفوضى العارمة في جميع الميادين، قد أثرت سلبا على تونس نظرا لارتباطهما الوثيق وتأثير هذه على تلك على كل الأصعدة وخصوصا الاقتصادية والأمنية، وهو ما دفع تونس إلى اتخاذ بعض الإجراءات الوقائية. وشدّد على أنّ ذلك لا يُمكن أن يكون سببا بحال من الأحوال في توتر العلاقة بين البلدين، مؤكدا بدل ذلك على ضرورة دحض العصبيات ومقاومة الفكر المتطرف الذي ساهم بشكل كبير، فيما آلت إليه الأوضاع في البلدين على حدّ السواء.

ونادى بضرورة التركيز على بث الأفكار التي تشجع على التسامح وترك النزاعات القبلية، خصوصا وأنّ عديد القبائل الليبية استقرت بتونس والعكس بالعكس صحيح منذ القدم وهو ما يسهل أي عملية لتقريب وجهات النظر ويحول دون تعكّر الأجواء.

وتعد مسألة القرابة والمصاهرة بين الشعبين إحدى الميزات الإيجابية التي حالت في الماضي ومن شأنها أن تحول في المستقبل دون أي محاولات لضرب الألفة والأخوة السائدتين بين الشعبين. مسألة تناولها الباحث التونسي محمد الجويلي، في ورقته التي قدمها خلال الندوة، حيث أشار إلى أنّ الروابط التاريخية بين البلدين تعود إلى عصور ماضية، وأن التاريخ المشترك بينهما متجذّر ولا يمكن نفيه أو نسيانه، ولا أدل على ذلك من أن الزعيم الحبيب بورقيبة أصله من مدينة مصراتة الليبية، وقد ولد في حي الطرابلسية بالمنستير.

وركّز الجويلي على سيرة المناضل التونسي الراحل عبدالله العبعاب، الذي صار قائدا للنواة الأولى للمقاومة التونسية، وكان المشرف على تكوين الجيش التونسي بعد الاستقلال سنة 1956، لافتا إلى إلى الدعم اللامشروط الذي لقيه من قبل الليبيين الذين احتضنوه، ودعّموه بكل الوسائل الممكنة، ماديا ومعنويا من أجل ردّ المستعمر الفرنسي.

بدوره أشار الكاتب الليبي عمر الككلي، الذي تحدث عن الجانب الشفهي في تدوين الذاكرة، إلى أن عديد القصص والسير مازال الناس يتداولونها ويحتفظون بها، لتكون شاهدة على التاريخ المشترك بين البلدين، معتبرا إياها وسيلة مثلى لتنقية التاريخ من بعض الشوائب التي قد تعلق به، جراء تناحرات سياسية أو غايات شخصية منفعية عابرة.

وهو الرأي الذي تبناه محمد أحمد الهوني، رئيس التحرير والمدير العام لصحيفة “العرب”، خلال مداخلته، من خلال تأكيده على عراقة العلاقات القائمة بين البلدين والتي لطالما ستظلّ عصية على محاولات بث الفتنة والفرقة بين الأشقاء بفضل قيامها على ثوابت لا تتأثر بالخلافات العابرة، مشددا على أنّ تدعيمها اليوم يعدّ أمرا موكولا إلى الجميع.

وأشار الهوني إلى أن مثل هذه الندوات والمبادرات مفيدة، وستتكرّر لأنها تهدف إلى مزيد تسليط الضوء على الروابط الإيجابية والبنّاءة بين الشعبين، اللذين يتوقان إلى إزالة الحدود المصطنعة والاشتراك في وحدة المصير وفي المستقبل ذاته.

7