علاقات سرية تحافظ على سلام بارد بين مصر واسرائيل

يتفق الجميع على أن السلام بين مصر وإسرائيل ظل مقتصرا فقط على العلاقات الرسمية فيما لم ينجح في التحول إلى سلام على المستوى الشعبي، وهو أمر لا ترغب الحكومات في فرضه أو تحقيقه، لأنها تستفيد، أحيانا من الموقف الشعبي من الخلاف العربي الاسرائيلي. ومثلت حادثة الإعلامي ونائب البرلمان المصري توفيق عكاشة تأكيدا على ذلك، في ظل الحملة التي طالته بعد إعلانه عن لقاء جمعه بالسفير الإسرائيلي؛ وهي قضية يرى الباحث عبدالمنعم سعيد، مدير المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، أنها تبدو بسيطة في ظاهرها لكنّها تكشف عن قضية أعمق وهي المتعلّقة بالإجابة على سؤال هل نحن مع العلاقات أم لا؟
السبت 2016/03/12
علاقات بلا طعم

القاهرة - ضجة كبرى تشهدها مصر في الفترة الأخيرة للوقوف أمام ما أطلق عليه البعض تسرب ثقافة التطبيع مع إسرائيل داخل نسيج المجتمع المصري، لتتحول إلى مسألة طبيعية لا تستحق الرفض، ما استدعى المزيد من الصلابة في مواقف التيارات والهيئات الرافضة للتطبيع، كان أبرز مشاهدها ضرب الإعلامي والنائب توفيق عكاشة بالحذاء من زميل له داخل البرلمان، وسحب العضوية منه.

لكن، عبدالمنعم سعيد، الباحث والمفكر السياسي المصري ومدير المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، أورد في حوار مع “العرب” مجموعة حقائق -كما يراها- حول المسألة برمتها، أولها أن إسرائيل هي التي لا تريد التطبيع مع مصر على المستوى الشعبي وليس العكس؛ والثانية أن العلاقات السياسية بين مصر وإسرائيل جيدة في الفترة الأخيرة، بدليل أن إسرائيل تخلت عن البرتوكول الأمني المتضمن في اتفاقية كامب ديفيد وسمحت للطيران المصري بالتحليق على الحدود من داخلها لضرب أهداف للإرهابيين في سيناء.

التقارب لن يتأثر

يرى عبدالمنعم سعيد، الذي كان أحد المشاركين في ما سمّي “إعلان كوبنهاغن” أو التحالف الدولي من أجل السلام والتقارب مع إسرائيل في منتصف تسعينات القرن الماضي، أن العلاقات بين مصر وإسرائيل لن تتأثر بما حدث في البرلمان المصري مؤخرا والمواقف التي جاءت على إثر إعلان توفيق عكاشة عن لقاء جمعه بالسفير الإسرائيلي في بيته، فإسرائيل ترغب في استمرار حالة السلام البارد، كما أن مصر ستحافظ على العلاقة داخل نفس الحدود من أجل استمرار التعاون الأمني لمكافحة الإرهاب في سيناء.

فكرة السلام انتهت فعليا منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي قضت على اتفاق أوسلو وأضاعت الحقوق الفلسطينية

ومع ذلك، يرى سعيد أن لقاء عكاشة بالسفير الإسرائيلي تسبب في العديد من المشكلات الداخلية في مصر، فاللقاء تم دون تفكير أو إعداد له، وهو ما جعل السفير يرفض أغلب ما طرحه النائب المصري، كما أن حالة الهيجان التي شهدها البرلمان المصري تعكس صورة سلبية له على المستوى الخارجي، وستؤثر كثيرا على سمعته وتحديدا بعد واقعة الحذاء.

وزعم توفيق عكاشة أنه طالب السفير بوقف الاستيطان، ووقف الأحاديث الملفّقة حول هيكل سليمان، مشيرا إلى أنه مستعد للذهاب إلى إسرائيل لتحديد مكانه، وهو ما أثار غضب السفير الإسرائيلي.

وقال إنه يرغب في زيارة إسرائيل ولقاء الصحافيين الإسرائيليين والصلاة في المسجد الأقصى بالقدس، كما طالب بزيادة التعاون بين إسرائيل ومصر في عدة مجالات منها الزراعة وغيرها مقابل أن تتوقف إسرائيل عن دعم سد النهضة، وتطرق أيضا إلى ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وعلق عبدالمنعم سعيد على مضمون اللقاء قائلا إنه يعكس سطحية وعدم إلمام الرجل بطبيعة الأشخاص الذين يتعامل معهم، فحديثه عن مسلمات توراتية كهيكل سليمان من المستحيل أن يقبله أي إسرائيلي. وأرجع تصرف عكاشة إلى سماته الشخصية وحبه للظهور وجذب الانتباه، منوها إلى أن تلك الصفات موجودة في عدد كبير من نواب البرلمان المصري الحالي، كما أنه كان يعتقد أنه يستطيع توصيل وجهة نظره إلى الإسرائيليين، وهذا تصور يعكس عدم درايته بالجانب الآخر. وفي نفس الوقت استغرب سعيد من المبالغة في رفض تصرفات عكاشة، التي يراها تضخيما غير مبرر للحدث، وتحديدا في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة العربية بأكملها، سواء في ما يتعلق بالانقسام الداخلي الفلسطيني، أو على مستوى إعادة تشكيل دول المنطقة لتبقى إسرائيل في موقف قوة أمام مجموعة من الدول تعاني العديد من المشكلات وتبحث عن البقاء.

عبدالمنعم سعيد: معسكر رفض السلام يكتفي بالصياح ولم يقدم رؤية واضحة لكيفية التعامل مع إسرائيل في المنطقة

لكن أخطر نتائج القضية التي أثارها الموقف من توفيق عكاشة، كما يتوقعها مدير المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، أن حكومة إسرائيل يمكن أن تتخذها ذريعة لعدم إتمام السلام مع الفلسطينيين، فهي تنتظر مثل تلك المواقف لتخفف عنها الضغوطات الغربية التي تدفعها نحو السلام والاتجاه نحول حل الدولتين، لتبرهن على أن العرب بالرغم من توقيع اتفاقيات سلام معهم إلا أن كراهيتهم ما تزال قائمة.

فتور إسرائيلي

فكرة السلام انتهت فعليا منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي قضت على اتفاق أوسلو، ومنذ ذلك اليوم ضاعت الحقوق الفلسطينية دون أن يملك أحد استراتيجية بديلة لعمل اتفاق سلام مع الإسرائيليين؛ وفق عبدالمنعم سعيد الذي أشار إلى أنه لم ير في معسكر الرفض فكرا متماسكا يحدّد أطر التعامل المثالية مع الوضع الجديد لإسرائيل، ولا يوجد سوى الرفض نفسه لأي علاقات مع إسرائيل والذي يريد أن تكون اتفاقية السلام حبرا على ورق، وهو أمر تجاوزه الإسرائيليون منذ زمن.

ويبرهن على عدم رغبتهم في التطبيع الكامل مع مصر، لأنها أصبحت الآن في موقف قوة بحكم ارتباطها المباشر مع الغرب وامتلاكها للسلاح النووي.

ويحلل سعيد فتور رغبة إسرائيل في التطبيع ويرجعها إلى عدة أسباب، أبرزها أنه لا يوجد حاليا تبادل تجاري قوي بين البلدين، ولا حتى تعاون ثقافي أو إنساني، وفي مصر اختفت الطبقة المثقفة الرافضة للتطبيع لعدم فاعلية موقفها، فمن كان يرغب في التطبيع مع إسرائيل فعل ذلك ولن ينتظر حتى الآن ليبدأ.

ويبالغ سعيد في تقديراته بالقول إن إسرائيل لا تشغلها كثيرا فكرة التطبيع مع مصر، ولا عقد اتفاقيات سلام مع الدول العربية، وإنما على العكس تفضل أن تبقى على مسافة بعيدة من البلدان العربية، فهي دولة رأسمالية يبلغ دخل الفرد فيها 30 ألف دولار سنويا، ما يضعها في مصاف الدول المتقدمة.

كما أن مسألة التطبيع مع الدول العربية يمكن أن تسبب لها العديد من المشكلات الداخلية المتعلقة بتنامي الأقليات العربية بداخلها، وهو ما تعمل على مواجهته في الوقت الحالي.

وهناك أيضا فكرة المظلومية التي نشأت عليها إسرئيل التي تستفيد كثيرا من العداء الشعبي لها في المحافل الدولية لتقوي وجودها وتبرر عملياتها في الأراضي الفلسطينية المحتلّة.

من الأسباب التي تقوي التوجه الرافض للتطبيع مع العرب في إسرائيل، أن البلدان العربية التي كانت تمثل خطرا على إسرائيل لم تعد موجودة في الوقت الحالي، فقد انتهت القوة العسكرية في العراق وتقترب سوريا من التقسيم، فيما تبدو مصر مأزومة ومنشغلة بأوضاعها الداخلية ولم تصل إلى مرحلة الاستقرار الكامل حتى الآن.

وحول ما يتردد عن وجود اتفاق ضمني بين مصر وإسرائيل في ملف التطبيع مقابل التوقف عن دعم بناء السد النهضة، أكد سعيد أنه من حيث المبدأ لا توجد وثائق تبرهن على مشاركة إسرائيل في بناء السد، إلا أنه يدخل ضمن استراتيجيتها التي بدأت انتهاجها بعد فشل محاولات السلام المتتابعة مع الدول العربية في التسعينات، فقررت توطيد علاقاتها مع الدول المعادية للعرب، مثلما فعلت من قبل مع تركيا وإثيوبيا.

6