علاقات هندية عربية واعدة تستوجب سياسات متبادلة أكثر وضوحا

يحظى تطوير العلاقات الهندية العربية بمكانة متميزة لدى الطرفين كونه يفتح المجال أمام مستقبل واعد يعود بالنفع عليهما ويساعدهما على الحفاظ على مصالحهما في عالم جديد منفتح ومتعدد الأقطاب تكتسي فيه الشراكات الاستراتيجية بين الدول المتجاورة أهمية قصوى. ولعل الجهود التي تبذلها الهند على مدى السنوات الأخيرة من أجل تعديل سياساتها في ما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط والتي تتنزل في سياق وعيها بضرورة العمل على إنشاء شراكة إستراتيجية متقدمة مع جيرانها العرب، تقتضي بدورها وعيا عربيا مقابلا يضمن بناء شراكة متينة على أسس سليمة.
الجمعة 2015/10/30
علاقات إماراتية هندية متميزة مبنية على قاعدة الاحترام المتبادل

اصطبغت سياسة الهند الخارجية بميزة أساسية جعلتها قبلة الدول الّتي تريد الخروج من حالة الاستقطاب بين المعسكرين الشرقي والغربي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث رفعت شعار التضامن الأفروآسيوي وعدم الانحياز، كقاسم مشترك بين الدول الجديدة التي خرجت من ربقة الاستعمار حينها، ممّا مهد للعالم العربي وشبه الجزيرة الهندية لعب دور كبير على الساحة الدولية، وذلك منذ انعقاد مؤتمر باندونغ سنة 1955 والمؤتمر الأول لدول عدم الانحياز في بلغراد سنة 1961، اللّذين أرست فيهما تلك البلدان حرية السياسة الخارجية التي تتوافق مع سياستها الوطنية، شريطة أن تبقى دول عدم الانحياز غير منحازة في ما بينها.

وتكلل هذا الظهور على الساحة الدولية ببروز الهند كقوة إقليمية بارزة في جنوب شرق آسيا، حيث لعبت دورا مهمّا من خلال مشاركتها في منظمة التعاون الإقليمي لدول جنوب شرق آسيا، ثم ها هي تسعى اليوم لتنظيم شراكة هندية أفريقية تسند تنامي قدرات شركاتها في التسويق والتصدير وتأمين موارد الطاقة اللازمة والمواد الأولية الضرورية لتوفير معالم القوة الناعمة القادمة.

وقد جعلت الهند في هذا الإطار من مبدأ التقرب من الجيران نقطة مبدئية في سياق سياسات تحسين علاقاتها الدولية، مما أسهم في تطوير علاقاتها مع العالم العربي، التي تحتاج اليوم إلى رؤية استراتيجية تضبط عقارب زمنها ومكانها.

وقد قامت الهند بوضع أسس سياسة بحرية طموحة، شكّلت معادلة صعبة في المحيط الهندي الشاسع، فيما تحاول استثمار شتاتها العالمي وعلاقاتها الجيدة مع كلّ من موسكو وواشنطن من أجل بناء دبلوماسية جديدة تحفظ لها مصالحها الدولية بناء على سياسة واقعية تقوم مقام السياسات الأخلاقية والعاطفية، تجعل منها قوة توازن في محيطها الآسيوي.

شراكة استراتيجية

تتميز العلاقات العربية الهندية بأهمية بالغة لدى الطرفين؛ حيث تصدر دول مجلس التعاون الخليجي حوالي 45 بالمئة من البترول للهند، كما أنّ المهاجرين الهنود في الجزيرة العربية يصل عددهم إلى نحو 7 ملايين، فيما تصل أعدادهم في الإمارات العربية المتحدة لوحدها إلى حوالي 2.6 ملايين مهاجر، كما أن تحويلاتهم النقدية تبلغ حوالي 6 مليار دولار. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ ارتفاع النمو الاقتصادي الهندي في السنوات العشر الأخيرة عزّز من هذه العلاقات الاقتصادية المتبادلة مع الدول العربية إلى حد كبير، حيث بلغ حجم المبادلات التجارية سنة 2011 حدود الـ115 مليار دولار، ممّا يجعل العالم العربي يحتضن حوالي 20 بالمئة من التجارة الخارجية الهندية.

التوجه الهندي نحو الشرق الأوسط تصاحبه محاولات إيرانية للتأثير على نيودلهي وعرقلة تقاربها مع دول الخليج العربي

ولتوطيد هذه العلاقة الاستراتيجية وقعت دول الخليج العربي في أغسطس 2004 اتفاقية إطار لتعاون اقتصادي يطمح إلى تأسيس منطقة حرة مع الهند، حيث تقود الإمارات العربية المتحدة قاطرة الشراكة الاقتصادية التي وصلت إلى 67 مليار دولار سنة 2011، وهي تمثل الشريك التجاري الثالث للهند بعد الصين والولايات المتحدة الأميركية اللّتين تحتكران لوحدهما 10 بالمئة من حجم المبادلات الهندية الخارجية، فيما تعد المملكة العربية السعودية المزود الأول للهند من البترول الخام. كما أنّ العلاقات الهندية المصرية التاريخية ما زالت وثيقة الصلة، حيث تعتبر القاهرة شريكا في برنامج التعاون الاقتصادي والتقني الهندي، فيما وصلت الاستثمارات الهندية حوالي مليارين ونصف المليار من الدولارات في قطاعات النسيج والكيماويات والصيدلة وصناعة السيارات والغاز في مصر، وهو ما جعل حجم التبادل التجاري بين البلدين يصل إلى حدود 3.3 مليار دولار سنة 2011. كذلك بلغ حجم المبادلات الهندية الجزائرية إلى حدود 3 مليارات دولار سنة 2013. وتعتبر الهند عاشر زبون للجزائر، وتستقبل حوالي 3 بالمئة من صادراتها. كما بلغ حجم المبادلات التجارية بين تونس والهند إلى حدود 640 مليون دولار سنة 2011. وتنعكس هذه الأهمية التجارية بين المغرب والهند كذلك في مجال الفوسفاط وقطاع النسيج، حيث بلغ حجم المبادلات التجارية حدود الـ 1.1 مليار دولار سنة 2011.

ولتعزيز هذه العلاقات الاقتصادية قامت جامعة الدول العربية والهند بتأسيس منبر للتعاون في مجال القطاعات الاستثمارية الواعدة في ديسمبر 2008.

وعلى الرغم من هذه الشراكة الاستراتيجية التي تجمع بين الطرفين، إلّا أنّ العلاقات الدبلوماسية الهندية مع العالم العربي والشرق الأوسط، لم تسجل في تاريخها الطويل سوى زيارتين مهمتين إلى الإمارات العربية المتحدة؛ أولهما كانت زيارة رئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي سنة 1981، ثم مؤخرا زيارة الوزير الأول الهندي في أغسطس الماضي، حيث بدا أنّ الهند باتت تطمح إلى تعزيز حضورها في جوارها المباشر وفي المحيط الهندي قبل توسيع اهتمامها بالشرق الأقصى واتجاهها نحو أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.

غير أنّ هذا التوجه الهندي الأخير نحو الشرق الأوسط، تصاحبه محاولات إيرانية للفّ الفيل الهندي بسجادة طهران، في محاول للتأثير عليه في ما يتعلق بتوازنات المشرق العربي. ولذلك فإنّ صاحب القرار الهندي مدعو لأن يبادر إلى توضيح أسس سياسة بلاده الخارجية في منطقة شديدة الحساسية، حيث يتضح أنّ الهند لا تملك حاليا سياسة واضحة تتعلق بقضايا الشرق الأوسط، وليس لها على ما يبدو استراتيجية كاملة تحدد علاقتها مع الفرقاء في المنطقة، حيث أنها تتبع سياسات متعددة بتعدد المحاورين والفرقاء والشركاء، وهو ما يمكن أن يؤثر على تطلعها إلى حيازة مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي.

وأبرز القضايا العويصة التي يمكن أن تشكل حاجزا أمام هذه المساعي الهندية، تتعلق بعدم تبني الهند لمصطلح الشرق الأوسط الموروث عن الاستعمار الفرنسي والبريطاني، حيث ما زال خبراء الهند يفضلون الحديث عن “آسيا الغربية” إلى حد الآن، وهو ما يوحي بغياب تصور جيوسياسي هندي دقيق للمنطقة. وهذا القصور مردّه ضبابية الرؤية الهندية، حيث أنّها تُقيم سياسات مُنفصلة وموازية مع كل من إيران وبلدان الخليج العربي، وتقيم تعاونا عسكريا حساسا للغاية مع إسرائيل على حساب العرب والفلسطينيين. ولذلك فإنّ المطلوب منها اليوم هو الانخراط في رؤية سياسية واقعية تنسجمُ مع حجم مصالحها الاقتصادية في العالم العربي.

الهند جعلت من مبدأ التقرب من الجيران نقطة مبدئية في سياق سياسات تحسين علاقاتها الدولية

تحول في السياسات

تعول الهند على سياسة الحياد منذ استقلالها سنة 1947، وترفض التدخل بشكل مباشر في القضايا الإقليمية، حيث قامت مؤخرا بإجلاء رعاياها من اليمن، ورفضت أن تتخذ موقفا من التحالف العربي الداعم للشرعية هناك. وهي بذلك تُحاول الحفاظ على علاقاتها مع الطرف الإيراني ودول مجلس التعاون الخليجي في نفس الوقت. ذلك أنّ الهند في تعاملها مع العرب مازالت محكومة بهاجس التقارب العربي الباكستاني، لكن وعلى الرغم من العلاقة التاريخية التي تربط بالفعل بين العرب وباكستان، إلاّ أنّ الهند عليها أن تعي أنّ الكثير من الأمور ماضية في التغير، خاصة أنّ دول مجلس التعاون الخليجي بدأت تشعر بأهمية الهند وثقلها في العلاقات الدولية، كما أنّ تردد الموقف الباكستاني، مؤخرا، من عاصفة الحزم بدأ يعطى المبررات الكافية لاتخاذ موقف عربي أكثر توازنا بين الهند وباكستان.

والواقع أن وصول ناريندا مودي إلى الحكم والاتهامات المتكررة التي وجهت لحكومته بالتمييز العنصري ضد المسلمين في الهند، دفع هذا الأخير للتقرب من دول مجلس التعاون الخليجي للتخفيف من هذه الصورة السّلبية، من أجل فسح المجال أمام تقوية العلاقات الاقتصادية والاستفادة من الاستثمارات العربية، حيث يحاول ناريندا جاهدا منذ وصوله إلى الحكم في ماي 2014 إضفاء الوضوح اللازم على العلاقات الدبلوماسية الهندية على قاعدة اقتصادية متينة بعد أفول نهج عدم الانحياز.

وعلى الرغم من هذا الانفتاح الذي قد تعتريه توجهات متباينة، إلاّ أنّ سياسة ناريندا يشوبها الكثير من الحذر والتأني، لأنّ الدبلوماسية الهندية تعودت كثيرا على عدم الانزلاق في اتخاذ مواقف منحازة لهذا الطرف أو ذاك. ولذلك تندرج سياسته في مقاربة براغماتية تجعل أولويتها تنحسر في دعم التنمية الاقتصادية بالحصول على المواد الأولية وموارد الطاقة أينما توفرت، فيما تشجيع الشركات الهندية على الحصول على حصص في الأسواق الدولية، وهو ما تمت معاينته من الدبلوماسية الهندية بين عامي 2011 و2012، عندما شغلت الهند منصب عضو غير دائم في مجلس الأمن، وقامت باتخاذ مواقف محايدة فيما جرى في كل من تونس وليبيا ومصر، معللة ذلك بموقفها التقليدي، “عدم الانحياز”.

لكن قوة العلاقات الإنسانية والاقتصادية وخاصة في مجال الطاقة، تجعل العالم العربي بصفة عامّة ودول الخليج بصفة خاصة، يمتلكان أوراقا مهمة في التأثير على توجهات السياسة الخارجية الهندية، فهذا العملاق الآسيوي القادم يعتبر العالم العربي، منطقة تدخل في إطار “الجوار الكبير” ويضعها خبراؤه على نفس المستوى مع جنوب شرق آسيا الجيوسياسي من حيث الأهمية، حيث يعتبر بحر العرب من بين الممرات الإستراتيجية في مسار تجارته الدولية، علاوة على سرعة انتقال البضائع الهندية عبر المطارات الخليجية وحركة المسافرين القوية، التي تجعل من الخليج العربي قبلة جذابة تتمتع بأهمية كبرى لدة نيودلهي.

وفي حين يبقى الرهان الأساسي للهند متعلقا بإشباع حاجياته من الطاقة والموارد الأولية، وهو يعول في ذلك كثيرا على الشراكة الاستراتيجية مع الدول العربية، يمكن لهذه الأخيرة أن تستلهم من نجاح الهند الاقتصادي، الذي يرجع في كثير من جوانبه إلى القفزة النوعية التي حققتها الهند في مجال الاستثمار في مواردها البشرية في قطاعي التعليم والبحث العلمي، بالإضافة إلى دينامية مقاولات وطنية منتجة نجحت نسبيا في التحرر من القبضة البيروقراطية الإدارية، ثم ما أعقبه من استفادة كبيرة عبر الانفتاح على السوق العالمية وتطبيق نظم التدبير الحديثة، مما دفع في إذكاء المنافسة بعد التقليل من الإجراءات الحمائية.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

6