علاقة الأبناء بالأم المتسلطة يشوبها التوتر ويغيب عنها الحب

الأربعاء 2015/02/04
مستوى تعلق الأبناء بأمهاتهم مرتبط بأسلوب تعاملها معهم

الاعتداد والثقة بالنفس والاستقلالية والاعتماد على القدرات الذاتية، مواصفات شخصية إيجابية تنمو وتزهر في بيئة سليمة قوامها أواصر أسرية قوّية وسليمة، تضرب بجذورها إلى مرحلة الطفولة حيث يسعى بعض الآباء المربين إلى غرس مجموعة القيم التي تعزز تنمية مثل هذا النوع من الشخصيات من خلال تعاملهم الحذر مع الطفل بعيداً عن التسلط وفرض الأوامر بالقوة.

يتسبب أي تقصير في هذه الناحية إلى نمو الطفل جسدياً فقط متخطياً مرحلة الطفولة فالمراهقة والشباب، دون أن يحدث أي تطور مهم في شخصيته؛ حيث يبقي في داخله فرداً اتكاليا يبحث عن دعم الوالدين عند أول عقبة يواجهها في خطواته المتلكئة نحو المستقبل.

وعلى الرغم من أن أغلب الصغار يكرهون أسلوب التربية الذي يعتمد على "ديكتاتورية" الأهل في التعامل وإصرارهم على فرض آرائهم وتصدير حريات أبنائهم، إلا أن البعض وخاصة الأمهات مازلن يمارسن هذا الدور بإصرار كبير بذريعة الخوف على الطفل من مواجهة المشكلات والرغبة في حمايته من الفشل أو المخاطر، في الوقت الذي يحذر فيه متخصصون من النتائج السلبية المترتبة عن هذا الخيار في التربية.

إلى ذلك، أكدت دراسة حديثة على أن الأطفال والمراهقين الذين ينشؤون تحت كنف أولياء أمور متسلطين، يميلون إلى رفضهم في مستقبل حياتهم، حيث يتغلب الشعور بالاستياء والنفور من الآباء على مشاعر البنوة الجميلة، بسبب الضغوط النفسية التي يسببها تدخل هؤلاء الآباء في حياة أبنائهم وعدم منحهم الفرصة للاختيار حتى في أبسط الأمور.

ودأب متخصصون في علم النفس التربوي على وصف هذا النوع من الآباء والأمهات بـ“طائرات الهليكوبتر” التي تحلق فوق رؤوس الأبناء طوال الوقت، فتراقب تصرفاتهم وتعد عليهم أنفاسهم.

من السهل أن يغير الطفل أو المراهق أفكاره وأحلامه، لكنه لن ينسى أبداً ردود أفعال المحيطين به وخاصة أبويه والطريقة التي عاملوه بها

وينصح باحثون في جامعة ميسوري الأميركية الأهل، باحترام خصوصية واستقلالية الطفل حتى وهو في سن مبكرة، والسماح له تدريجيا باتخاذ بعض القرارات البسيطة والتي تتعلق بتفاصيل حياته اليومية، لتجنب وقوعه في براثن الاتكالية والاعتماد على الغير مستقبلاً.

وترى الدكتورة جين أسبا؛ رئيس فريق البحث وأستاذ التنمية البشرية في الجامعة، بأن بعض الآباء قد يلزمون أبناءهم بتعلم دروس في الموسيقى أو اللغات قصد فسح المجال أمامهم لتنويع مصادر ثقافتهم، من دون منح الصغار خيار القبول أو الرفض باعتبار أن موافقتهم أمر مفروغ منه، ومع إصرار الطرف الأقوى (الأهل) فإن الطرف الضعيف لا يملك إلا الرضوخ للأمر الواقع، ما يؤدي تدريجياً إلى تشويه صورة العلاقة بين الطرفين وخاصة من جانب الأبناء، الذين سيحاولون قدر الإمكان تجنب البقاء مطولاً صحبة آبائهم أو أمهاتهم.

ولأن الأمر يتعلق بصورة أكبر بالأمهات، فإن مصطلح "الأم الحوّامة" أو "الأم الهليكوبتر" برز استخدامه في الأوساط البحثية منذ قرابة عقد من الزمان، في إشارة إلى نوع من أمهات الطبقة الوسطى في المجتمع التي يحلو لها "الحوم" حول أبنائها الصغار والتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياتهم.

وقد يستمر تدخل الأم في حياة أبنائها وبناتها حتى سن الجامعة، فتسعى مثلاً لاختيار اختصاص يتناسب مع طبيعة العلوم التي تلقتها أو التي طمحت إلى تلقيها أثناء شبابها، كذلك فهي تتدخل في اختيار أنواع الكتب التي يمكن للأبناء قراءتها أثناء الصيفية أو اختيار أنواع يعينها من الأطعمة، فتلزم أطفالها على تناولها قصد حمايتهم من الأمراض وضمان تمتعهم بصحة جيدة.

الأمهات المتسلطات يلجأن في العادة إلى فرض آرائهن بالقوة، مع إمكانية استخدام نوع من أنواع العنف اللفظي

ورصدت الدكتورة أسبا في عينة بحثها المكونة من 2000 طفل من الإناث والذكور في سن الثانية من عمرهم، مدى سيطرة أمهاتهم على سير أنشطتهم سواء في أوقات اللعب أو النشاطات اليومية الأخرى، كما أعادت التجربة ذاتها مع عينة أخرى من الفتيات والفتيان تراوحت أعمارهم بين 11-10 سنة، حيث راقبت كيفية سير المحاورة بين الأمهات والأبناء وخاصة في الأمور التي تستدعي خلافاً في الرأي.

وأظهرت نتائج الدراسة بأن مستوى تعلق الأبناء بأمهاتهم، تتعلق بأسلوب تعاملهن المتسلط معهم، حيث أبدى أطفال الأمهات "الهليكوبتر" أو المتسلطات نفورهم من طريقة التعامل هذه، الأمر الذي ينبئ بعلاقة مستقبلية يشوبها التوتر وغياب الحب، من طرف الأبناء بصرف النظر عن جنسهم وطبيعة شخصياتهم.

وتلجأ الأمهات المتسلطات في العادة إلى فرض آرائهن بالقوة، مع إمكانية استخدام نوع من أنواع العنف اللفظي أو الجسدي وخاصة في تعاملها مع الأطفال الأكبر سناً، وهذا ما يزيد الأمور سوءاً.

وينصح متخصصون الأهل بتبرير الأوامر التي يملونها على الصغار، وعدم فرضها لمجرد رغبتهم في ذلك حيث يراعى أن تحترم خصوصية الطفل واستقلاليته، وهو أمر مهم في تكوين شخصيته المستقبلية فضلاً عن أهمية هذا الأسلوب في تمتين أواصر المحبة بين الأهل وأبنائهم.

وترى مورين هيلي الكاتبة والباحثة الأميركية في مجال التربية، في مقالها الأخير في مجلة علم النفس الأميركية، أن تعزيز استقلالية الطفل والسماح له بالتعبير عن رغباته وأحلامه التي يود تحقيقها في مستقبل حياته، يتحقق من خلال تشجيعه وحثه على التعبير عن نفسه بصورة أكبر بدلاً من إحباط مساعيه وعرقلة حريته حتى في الكلام.

فإذا كانت أفكار الطفل أو أحلامه لا تناسب طموحات الأهل فيما يخص الطفل، فلا بأس من مجاراته في أفكاره فلعله سيغيرها لاحقاً وهذا ما يحدث في الواقع وأغلب الأحيان، فمن السهل أن يغير الطفل أو المراهق أفكاره وأحلامه، لكنه لن ينسى أبداً ردود أفعال المحيطين به وخاصة أبويه والطريقة التي عاملاه بها ومساحة الحرية التي منحت له في تلك اللحظات.

21