علاقة الإعلام بالنظام في مصر بين محلي مرتبك وخارجي مشكوك في نواياه

أصبح سلاح الإعلام أداة قوية في صياغة معادلات القوة بين الدول في العالم، وهو محمل مناسب لتوجيه النقد أو الهجوم على نظام ما أو سلطة ما دون أن تتورط الأجهزة الدبلوماسية الرسمية في ذلك، ولكن في ذات الحين فإن بعض وسائل الإعلام يمكن لها أن تقدم خدمة للأنظمة بأن تكشف المعضلات والنقائص للرأي العام. لكن النظام المصري لم يستوعب بعد التفريق بين هذين المنهجين وفي الغالب يعتبر كل نقد موجه له “مؤامرة”، وهذا ما يجب أن يراجعه النظام.
الجمعة 2016/08/12
شعارات تعيد نفسها رغم القيام بثورتين

القاهرة - تتعمق أزمة الإعلام المصري منذ الهجوم العنيف الذي شنه على مجلة الإكونوميست البريطانية الأسبوع الماضي، التي نشرت افتتاحية بعنوان “خراب مصر” دعت فيها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى عدم الترشح لفترة رئاسية جديدة.

ومنذ ذلك الحين تشهد وسائل إعلام مصرية عدة تخبطا واسعا على وقع انتقادات حادة من قبل جمهور تقليدي دأب على متابعتها، لكن هجوم أغلب القنوات والصحف المصرية تسبب في عزوف الكثير من المتابعين.

وقال باحثون مصريون لـ”العرب” إن تقرير الإيكونوميست جاء بلغة حملت الكثير من “التأفف والندية لدولة كبيرة”، لكنهم قالوا أيضا إن الكثير مما تناولته دقيق.

ورد المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية على تقرير المجلة واسعة الانتشار عبر مقال نشره على مدونة الوزارة، تضمن لهجة أشبه بـ”الشجار”. وفشل السفير أحمد أبوزيد في تفنيد ملعومات وإحصائيات اقتصادية اعتمد عليها محرر الإيكونوميست، ولم يلق رده رواجا خارج مصر.

وتواجه البلاد مأزقاً إعلاميا على المستويين المحلي والخارجي، إذ أن موالاة الإعلام المحلي للنظام الحاكم جعلته غير قادر على رسم صورة صحيحة لأوضاع البلاد، بينما توجه البعض من وسائل الإعلام الخارجية انتقادات لاذعة له دون أن يمتلك أدوات منطقية للرد عليها.

وبين ما ينشر ويذاع في الداخل من ملامح إيجابية تؤكد أن الأوضاع السياسية على ما يرام، وما يروج في الخارج من معلومات تقول إن مصر مقبلة على كارثة حقيقية، يبقى النظام المصري وإعلامه أمام مأزق حقيقي، وتتزايد الضغوط عليه في مواجهة الأزمات التي تعتري طريقه. وعلى مدار الأيام الماضية وجهت الحكومة المصرية ودوائر قريبة منها انتقادات واسعة لمجلة الإيكونوميست الشهيرة، بعد أن أعدت ملفاً كاملا تحت عنوان “خراب مصر”، فسرت فيه من وجهة نظرها المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، وطالبت الرئيس عبدالفتاح السيسي بعدم الترشح لفترة رئاسية ثانية، وهو ما ردت عليه وزارة الخارجية ببيان شديد اللهجة اتهمت فيه المجلة بالسطحية وعدم المهنية.

النظام المصري بات ينظر للإعلام الدولي تماما كما ينظر للإعلام المحلي، فهو يريد إعلاما مواليا وليس ناقدا

وتحت هذا الملف جرت مياه كثيرة متلاطمة، مال فيها البعض من المنصفين إلى ضرورة أن تتعامل القاهرة بجدية مع ما نشرته الإيكونوميست لأنها مجلة رصينة، وتعبر عما يتردد في أروقة غربية متعددة من آراء ومواقف، سرا وعلانية. لكن المجلة تعرضت بملفها ذاك لاتهامات وصلت حد “التآمر” على مصر.

وأرجع مراقبون حالة الرفض لكل ما ينشر عن مصر في الخارج إلى الدور الذي تلعبه بعض وسائل الإعلام المحلية، والتي تحرص على نفاق النظام الحاكم في أحيان كثيرة، وتجعل الصورة وردية أمام المواطنين العاديين، ما يجعل أي حديث عن كوارث محتمل نشرها في الإعلام الغربي يبدو كأنه مؤامرة على مصر.

واللافت للنظر أن النظام المصري بات ينظر للإعلام الدولي تماما كما ينظر للإعلام المحلي، فهو يريد إعلاما مواليا وليس ناقدا، ويتجاهل أن ما يتم في الداخل لا يصلح لتطبيقه على الخارج، بل في الأساس لا يصلح للداخل، لأنه لم يعد من الممكن السيطرة التامة على ما يصل إلى الناس من أخبار.

وفي المقابل، يتعامل معارضو النظام مع ما تنشره وسائل الإعلام الغربية على أنه حقائق غير قابلة للتشكيك، وأنه يعزز وجهة نظرهم في الكثير من التطورات والأحداث، وهو ما يجعل الآراء المحايدة بعيدة عن القضايا المهمة. وفي هذا السياق قالت ليلى عبدالمجيد أستاذة الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، لـ”العرب”، إن ما يسمى بالإعلام المحايد لم يعد له وجود في ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية، وأي إعلام حتى وإن كان مستقلاً عن الدولة الرسمية يدافع عن مصالح يتأثر بها.

وأضافت أن تمويل الجهات السياسية المختلفة للإعلام، سواء في الداخل أو في الخارج، تزايد بشكل ملحوظ في سبيل كسب المعارك المشتعلة حاليا، وما تتعرض له مصر من هجوم بعضه نابع من الحالة المتردية التي وصلت إليها الأوضاع، والآخر موجه لتحقيق أهداف سياسية من خلال نقد الظروف الحالية. وأوضحت عبدالمجيد أن الإعلام في أي دولة يمثل إحدى صورها، والعلاقات بين الدول يحكمها ويؤثر فيها في الكثير من الأحيان ما ينشر في وسائل الإعلام، حتى وإن كانت بعيدة عن الحكومات. وتتفق رؤى المهتمين بالشأن الإعلامي داخل مصر على أن بلدهم يتعرض لانتقادات ممنهجة أحيانا من بعض وسائل الإعلام الغربية، التي يشارك التنظيم الدولي للإخوان في مدها بمعلومات مغلوطة، وربما يقدم دعما ماليا للبعض منها.

ليلى عبدالمجيد: الإعلام المحايد لم يعد له وجود في ظل الظروف الإقليمية والدولية الحالية
وبرأي دوائر قريبة من النظام المصري أن الإعلام الغربي ينقل صورة مغايرة لما يجري على أرض الواقع، وثمة براهين عدة تثبت ذلك، منها الاعتذارات المتكررة لأكثر من صحيفة غربية عن نشر أنباء كاذبة وغير مهنية بشأن مصر، واختلاف نظرة العديد من الإعلاميين في الغرب، عندما يتمكنون من زيارتها، حيث يقف جلهم عند واقع مختلف عما سمعوه وقرأوه.

وقال لوتشو باراني، رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الحاكم في إيطاليا أثناء زيارته للقاهرة مؤخرا، إن الصورة المأخوذة عن مصر في الإعلام الغربي مغايرة تماما للحقيقة، وأن فكرة الغرب عن مصر سببها ديمقراطية “السوشيال ميديا”.

وفي شهر مايو الماضي اعتذرت صحيفة “الغارديان” البريطانية عن مقالات مفبركة وغير دقيقة نشرتها لمراسلها في مصر في الفترة من 2007 حتى 2015.

وأكد حسين أمين، أستاذ الإعلام بالجامعة الأميركية في القاهرة لـ”العرب”، أن الإعلام الغربي لا يمكن وضعه في سلة واحدة، إذ أن هناك إعلاماً له أجندات سياسية واضحة يعبر عنها بشكل مستمر، وآخر مستقلا بشكل كبير وواضح، وبوجه عام فإن بعض الوسائل الإعلامية تشهد خروقات للمبادئ الرئيسية التي تحكم الإعلام. وأضاف أن الإعلام الغربي على وجه التحديد تحول إلى إعلام عولمي، بحيث أصبح يؤثر مباشرة في تحديد شكل صورة الدولة، ويتفاعل مع ما يوجه له من نصوص وبيانات وردود على ما ينشره، وفرص إظهار الحقيقة كاملة موجودة، لكن يجب استغلالها بشكل سليم.

واعترف بأن الانتقادات اللاذعة التي توجه للأوضاع السياسية والاقتصادية في مصر قد تكون محقة في ذلك، لكن هذه الوسائل تغض البصر عن محاولات الدولة في النهوض مرة أخرى، ومعظم التقارير تشوه الوضع الداخلي ما يجعل تأثيرها السلبي مباشرا على محاولات التنمية.

6