علاقة الإنسان المعاصر بالزمن

الثلاثاء 2013/12/17
الكاتب من الجيل الثاني لرواد مدرسة فرنكفورت

باريس- مدرسة فرنكفورت هو الاسم الذي أطلق في خمسينات القرن الماضي على مجموعة من المثقفين الألمان ظهرت منذ 1923، ودعت إلى نظرية نقدية جديدة، ومن أهم من انتسبوا إليها يورغن هابرماس وتيودور أدورنو، وفالتر بنيامين وهربرت ماركوز. هذه المدرسة دعت إلى استعمال الفلسفة كنقد اجتماعي للرأسمالية وليس كتسويغ للنظام القائم. وقد استقطبت مفكرين من الجيل الذي تلا الرواد، أبرزهم هرتموت روزا، أستاذ العلوم السياسية والاجتماعية بجامعة فريديريك شيلّر في مدينة يينّا.

في آخر ما ترجم له من أعمال إلى الفرنسية، وهو كتاب بعنوان “تسارع – نقد اجتماعي للزمن”، يعالج روزا علاقة الإنسان المعاصر بالزمن، ويلاحظ أن التطور التقني ولّد تسارعا في الزمن، ولكن الإحساس العام الذي ينتاب إنسان هذا العصر هو أن الوقت في تناقص والحال أن الوسائل التقنية الحديثة أكسبته وقتا غير قليل.

لتفسير هذه المفارقة يرى روزا أن الميزة الجوهرية لحداثة المجتمع هي الشعور بالتناقص المستمر لمدة الأحداث، وهو شعور يعتري المجتمع كله، حيث إضاعة الوقت خطيئة كبرى. ذلك أن التسارع التقني والتكنولوجي يعمل عمل محرك قوي في صلب التحول الاجتماعي، يحدث بدوره تسارعا في إيقاع الحياة، مما يولد نظاما يغذي نفسه بنفسه يتحول فيه الثبات إلى تراجع، فمن لا يتقدّم يتأخر، كما يقال، حتى وإن لم يغادر مكانه. خصوصا وأن التسارع ينتج النموّ، ومنطق النموّ الكمي مرتبط أشد الارتباط بديناميكية التسارع في مجتمع الحداثة. “إذا كان الوقت من ذهب، يقول ماركس، صارت السرعة أمرا ملحا لا غنى عنه في قضاء المصالح”.

في هذا الكتاب، لا يقترح هرتموت روزا ضرورة إعادة قراءة التاريخ المعاصر على ضوء مفهوم التسارع الاجتماعي فحسب، بل يحضّ أيضا على تطوير البحوث النقدية التي تهدف إلى تجنيب مشروع الحداثة الوقوع في فخّه. والثيمة الكبرى التي يحوم حولها الكتاب هي أن مقاربة التاريخ المعاصر في إطار جدلية قوى التسارع والمؤسسات المنذورة للاندثار إذا ما تردت إلى كابح يعطل تلك القوى، تساعدنا على فهمه بشكل أفضل مما لو قاربناه في إطار جدلية القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج كما يراها ماركس.

وفي رأيه أن مفهوم التسارع الاجتماعي يتضمن ثلاثة أبعاد: التجديد التقني، التغير الاجتماعي ( وخاصة مؤسستي الإنتاج وإعادة الإنتاج أي العمل والأسرة) وإيقاع الحياة، كما حدّده جورج سيمل.

يستهل روزا عمله بتوصيف التسارع في تلك المجالات الثلاثة شارحا أسبابها وعواقبها، انطلاقا مما ينتاب الفرد في حياته اليومية من شعور بضيق الوقت، والحال أن أوقات الفراغ في ازدياد، بفضل المستحدثات التقنية (كوسائل النقل والاتصال) التي طورت إيقاع الحياة، الذي دفع بدوره إلى استحداث وسائل أكثر تطورا، أدّى تدفّقها إلى إحساس الفرد بالعجز عن إنجاز أي عمل هامّ، أو إلى إرجائه، والاستعاضة عنه بأنشطة دونها قيمة، قصيرة الأمد، ولكن مضمونة، مما ساهم في انتشار صناعة اللهو.

أكثر من ذلك: لم يعد المرء يستطيع أن يختار بين الوقت المخصص للاستهلاك السريع المكثف للأشياء والمعلومات والكتب واللقاءات وبين الوقت المخصص لاكتساب المعرفة، وهو زمن أطول بالضرورة، يغنم منه الإنسان قيمة مضافة، ولكنه مرهون بضغط دائم من التسارع. وهو ما يولد انطباعا بأن علاقتنا بالآخرين تفقد مصداقيتها، فنحن “نستهلك” أصدقاء، كما في شبكات التواصل الاجتماعي، أكثر مما نخصصه من وقت لكي “نتعرف” إليهم.

والتقنية ليست وحدها سبب تلك الظاهرة، يقول روزا، بل ثمة سبب آخر إيديولوجي يستجيب لمشروع الحداثة، وهو نزوع الفرد إلى الاستقلالية، وكان من أثر ذلك تفشي الانهيار العصبي.

مرض الحداثة هذا، كما يسميه روزا، تدعمه آثار التجديد التقني على المؤسسات، كالأسرة ومنظومة الحيطة الاجتماعية وما إلى ذلك، وهي التي يفترض أن تُدمج التسارع بشكل يجعل الأفراد يحتملونه، ويحسون معه بنوع من الأمان، غير أنها صارت منذورة للتغير هي أيضا بسبب نزوعها إلى كبح التسارع.

مما أدى إلى إزالة الطابع المؤسساتي عن العمل والأسرة، وإذكاء تسارع إيقاع الحياة. وبذلك صار مشروع استقلال الذات كما تطرحه الحداثة موضع شك وانتقاد، إذ غدا الفرد، وقد فقد السيطرة على التسارع في شتى المجالات، ضحية نوع جديد من الاستلاب. فلا خيار له إلا الخضوع لدكتاتورية الوقت، إلا إذا آثر العيش على هامش التحديث، لأن الانتهاك في عالم العمل وخيم العواقب باهظ الثمن. وهنا يأتي دور السياسي. هل ينبغي عليه أن يتكيف مع الإيقاع المتسارع للمستحدثات أم يتدخل بحزم وعزم لإعادة فرض نوع من السطوة السياسية ؟ يتساءل الكاتب.

فأما الفرضية الأولى فمآلها اختفاء الطرف السياسي وتضاؤله، وأما الثانية فهي غير واقعية بالمرة نظرا للكلفة الباهظة المنجرّة عن تنسيقية يفرضها السياسي ولو بقوة القانون.

فهل أن قدر هذه الظاهرة أن تستمر أم أننا يمكن أن نستبق نوعا من نهاية تاريخ التسارع؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست بالسهولة التي نتصور. لذلك يقترح روزا عدة سيناريوهات لا يلوح من ورائها حل شافٍ كافٍ: أولا إيجاد توازن جديد ذي سرعة معقولة قادر على استعادة مشروع الحداثة، من خلال تطوير أشكال جديدة على مستوى الإدراك والمراقبة، وهذا صعب. ثانيا التخلي نهائيا عن مشروع الحداثة على نحو ما دعا إليه مايكل هارت وطوني نيغري من ضرورة إرساء تنظيم ذاتي للأشياء المتعددة، وهذا غير عملي لأنه لا يمكن الرجوع إلى الوراء. ثالثا اللجوء إلى “كبحة طوارئ”، أي الخروج راديكاليا من الحداثة، ومعناه القبول بالعيش على هامش التطور والنمو الاقتصادي.

رابعا سباق محموم نحو الهاوية سوف يؤدي حتما إلى كارثة بيئية أو نووية، وهو خطر وارد. خامسا وأخيرا اللجوء الواعي إلى درس التسارع وتحليل أبعاده للتعامل معه بعقلانية. وهنا يستحضر روزا مقولة بيار بورديو: “كان لزاما على الإنسان معرفة قانون الجاذبية لصناعة طائرات تستطيع أن تقاومه بنجاعة”.
14