علاقة الترجمة بالنص الأصلي في "سيدات القمر"

في رواية "سيدات القمر" لجوخة الحارثي لا نحتاج إلى الكثير من الخبرة أو المهارات لندرك أننا أمام عمل احترافي.
الخميس 2019/09/19
الترجمة ساهمت في تتويج جوخة الحارثي

الدمام (السعودية) – منذ مدة قصيرة فازت الروائية العمانية جوخة الحارثي بجائزة المان بوكر البريطانية عن الترجمة الإنكليزية لروايتها “سيدات القمر”، وقد طرح ذلك جدلا واسعا حول أيهما المتوج الترجمة أم النص الأصلي، وتشعب الجدل الذي استمر إلى الآن ما حدا بالدكتور سعد البازعي إلى تقديم محاضرة نقدية في هذه المسألة.

أوضح الدكتور سعد البازعي في محاضرته “سيدات القمر الرواية والترجمة” التي نظمها مساء الثلاثاء بيت السرد في جمعية الثقافة والفنون في الدمام بحضور أساتذة الترجمة والكتاب والروائيين، أنه “بعد فوز رواية جوخة الحارثي بالمان بوكر صار سؤال الترجمة أساسيا عند الحديث عن الرواية، وهو وضع متوقع ولكنه غير منصف لعمل غني بذاته، يظلم حين يبدو أن جزءا من أهميته حسب البعض ناتج عن أنه ترجم، أي لو لم يترجم لما فاز بالجائزة البريطانية/العالمية، ولكن في هذا ظلم للعمل، لأنه يصرف النظر عن القيمة الأدبية السردية والثقافية التي يكتسبها العمل بحد ذاته”.

ويضيف “نعم الترجمة كانت السبب في فوزه لأنها لفتت أنظار قراء أجانب وغير أجانب إليه بشكل غير مسبوق، لكن قارئ الرواية بلغتها العربية سيكتشف، كما اكتشفت بدوري وأحاول في ما يلي أن أقول كيف، أن الرواية مهمة من حيث ثرائها الإنساني ومتعتها السردية بعيدا عن الترجمة. نعم هناك وجوه نقص، لكن هذا يمكن أن يقال عن أي عمل وإن تفاوتت وجوه النقص في الكثرة والأهمية. ومع ذلك فلا مناص من طرح سؤال الترجمة مع أنه سؤال يمكن تناوله منفصلا عن سؤال السرد في النص الأصلي”.

في “سيدات القمر” لا نحتاج إلى الكثير من الخبرة أو المهارات لندرك أننا أمام عمل احترافي من حيث قصدية الإبداع السردي، فواضح منذ البدء أن الكاتبة لم ترد أن تحكي قصة تشدنا أحداثها فحسب وإنما أيضا أن تحكي قصة تشدنا فيها كيفية سرد تلك الأحداث. وهذا شرط أساسي في أي عمل سردي ينشد الأدبية. تفاوت الساردين أحد وجوه تلك الكيفية، ولكن وجها آخر ما يلبث أن يتماثل أثناء القراءة: يتبين أن الحكايات يعاد سردها المرة تلو الأخرى ولكن من زوايا متباينة وبتفاصيل مختلفة. تطالعنا الشخوص في الفصل الأول ونعرف أن فلانة تزوجت أو فلانا ولد أو سافر لكننا نعود إلى تلك الأحداث نفسها لنعرف كيف حدث ذلك أو متى.. أو..، وهذا هو الأهم، ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى تطور الأحداث -وتنامي الشخصيات ودلالات القصص ككل.

ولفت البازعي إلى أن السرد في الرواية ينعقد حول أسرتين؛ أسرة العم سعيد وأسرة العم سليمان. شخوص الرواية ينتمون إلى إحدى الأسرتين أو كليهما نتيجة المصاهرات والعلاقات التجارية التي تشمل تجارة الرقيق، الرقيق الذين يشكلون فئة اجتماعية متصلة بالأسرتين ولكنهم في وضع خاص بطبيعة الحال نتيجة الظلم الاجتماعي القاسي الذي يكتنف تاريخ الرق عامة وأثره العميق على البنى الاجتماعية والاقتصادية. فقراءة تاريخ الرق في عمان لا تختلف عن قراءته في بلدان عربية أخرى أو في أميركا أو بريطانيا، فهو ظلم متشابه الوجوه، متماسك الألم.

ويرى البازعي أن المترجمة كررت استعمال عبارات يصعب ترجمتها أو شرحها، بل إن ترجمتها وشرحها سيفقدانها خصوصيتها الدينية بشكل خاص، مثل “بسم الله الرحمن الرحيم” و”اللهم صل على النبي”، لكن عبارات أخرى ترد بشكلها العربي ثم تترجم ويبدو ذلك غير مناسب لأن المتحدث في الرواية يبدو وكأنه يقول العبارتين بلغتين مختلفتين. مثال ذلك ما يرد في الصفحة 104 من النص الإنكليزي ‘يا حبيبي يا سيدي’، ترد بنصها العربي ثم تترجم. وتناوب الحضور على المداخلات في ما يخص الرواية ويخص الترجمة.

15