علاقة الجيران لماذا تدهورت

السبت 2013/08/24
حسن الجوار يكون بالكف عن الأذى للحفاظ على علاقات طيبة

القاهرة- اكتشف البعض أن هناك اختلافاً بين جيران اليوم والجيران في السابق الذي بني على التكاتف والتكافل والمحبة والوئام، عملا بتلك الوصية الخالدة التي أوصى بها جبريل نبينا عليه الصلاة والسلام بالجار، ولم تكن كغيرها من الوصايا بل فاقتها في الأهمية بتلك الصيغة التي بالغ فيها المصطفى "صلى الله عليه وسلم" بقوله: "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".

وفي هذا الإطار يقول د.عبدالغني عبود أستاذ التربية بجامعة عين شمس: "حقوق الجيران تنبع أساساً من الشريعة الإسلامية ثم التقاليد والعادات، ومع ذلك لا يستطيع أحد أن ينكر تعرض هذه العلاقات إلى تدهور سريع في هذه الأيام يبدأ من القطيعة التامة ويصل إلى الشجار والتحاسد والتباغض والعدوان، وكثيراً ما نرى صوراً محزنة لما آلت إليه علاقات الجيران، فيحدث أن نفاجأ بموت جار دون أن يشعر به أحد الجيران وتمر عليه الأيام ميتاً فلا يدل عليه إلا رائحة كريهة تنبعث من شقته، كما لا تخلو بعض هذه العلاقات من الرغبة في التجسس والإطلاع على الأسرار والغيبة والنميمة، حتى أصبحت الجيرة الطيبة شيئاً نادراً هذه الأيام.

وهذا التدهور في العلاقات بين الجيران جزء من مشكلة عامة تهتك بالعلاقات بين الأرحام سواء داخل الأسرة أو بين الأقارب، ويرجع ذلك إلى طبيعة الحياة المعاصرة وغلبة المصالح الشخصية والمادية، والأخطاء التربوية التي يقع فيها الآباء فيربوا أبناءهم على الأنانية والعنف وعدم الرضى والقناعة بما لديهم ولا يربونهم على حب الخير والتعاون والإيثار ولا يدرك الآباء أن ما يتعلمه ويكتسبه الأبناء في مرحلة التنشئة الأولى والحداثة من القيم والأخلاقيات هو الذي يسيطر عليهم عندما يكبرون ويصبحون جيراناً لآخرين، وتنعكس قيمهم التربوية والسلوكية التي اكتسبوها من قبل على علاقاتهم، كما نجد تأثير وسائل الإعلام التي تخلق مزيداً من التطلعات ومن ثم ينشأ التكالب، لكن يظل الدين ومدى التزام الإنسان به هو المرجع المحدد لتطوير علاقة الإنسان بجيرانه وأهله".

ومن جهة أخرى تقول د.سعاد عثمان أستاذة علم الاجتماع: "لرابطة الجوار دور كبير في حركة وتطور المجتمع ورقيه، فهي علاقة إنسانية تأتي في المرتبة الثانية بعد رابطة الأرحام، إذا لعلاقة الجوار تأثير كبير على الأسرة فالجيران هم المحيط الاجتماعي المصغر للمجتمع الذي تعيش فيه الأسرة، والتمتع بحسن الجوار حق اجتماعي للجميع، أمرنا به الإسلام دون تفرقة بين الناس على أساس ألوانهم أو أجناسهم أو ملتهم، فحسن الجوار من أساسيات بناء المجتمع الإنساني، فمن شأن الجيرة مكافحة الأمراض الاجتماعية التي نعاني منها في عصرنا الحاضر، لذلك لابد أن تكون العلاقة بين الجيران متينة لتشكل إطاراً لعلاقة متميزة بين أشخاص لا تربطهم رباطة دم أو صلة رحم، وهذا في صالح الجميع، لأن الإنسان دائماً يحتاج إلى الغير وفي وقت الشدائد والأزمات يصبح الجار أقرب وأسرع من الأهل لنجدة جاره".

وتضيف: "لكننا نجد أن العلاقة بين الجيران تغيرت عن الماضي واتخذت شكلا آخر غريباً عن مجتمعنا نتيجة التغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والقيمية في المجتمعات، فنجد أنه كما كانت المرأة في الماضي هي سبب قوة العلاقات مع الجيران نجد أن خروجها إلى العمل كان سبباً في فتور هذه العلاقة، فلم يعد لديها وقت لإقامة روابط مع الجيران من خلال الزيارات المتبادلة أو حتى المجاملات الضرورية، كما أن وجود التليفزيون أصبح بديلاً عن علاقات الجيرة والزيارات بينهم، كما يسهم تباين المستوى الاقتصادي بين الجيران خاصة في المناطق الجديدة في زيادة التباعد بينهم، كما تتأثر علاقة الجيرة بتغيير نمط الحياة وضعف الوازع الديني والجهل بحقوق الجار، واختلال المنظومة القيمية بسبب تفشي مفهوم الانعزالية والفردية والأنانية، وكثرة انشغال الناس بهموم الحياة وبالبحث عن الماديات، والخوف من الاختلاط خشية إطلاع الآخرين على أسرار البيوت وإفشائها أو تجنباً للمشاكل.

وتقول د.فايزة خاطر أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر: "المجتمع الفاضل الذي أقامه الإسلام بهدي كتاب الله وسنة رسوله يهدف إلى تحقيق الاستقرار والراحة النفسية لكل فرد من أفراده، وأعظم استقرار هو أن يستقر الإنسان في داره مطمئناً يأمن فيه على أهله وأولاده، ولا يتحقق ذلك إلا إذا أحسن المرء اختيار جيرانه، ويقول النبي "صلى الله عليه وسلم": "إن من سعادة المرء المسلم المسكن الواسع والجار الصالح".وتؤكد على أن رابطة الجوار لها دورها العظيم في بناء الحياة الاجتماعية بناءاً سليماً، لأنها تأتي في المرتبة الثانية في النسيج الاجتماعي بعد رابطة الأسرة، ولهذا نجد في التشريع الإسلامي عناية خاصة بهذه الرابطة، ونجد أن الله تعالى قرن حق الجار مع حق عبادته مع حق الوالدين وذي القربى والمساكين، وفي ذلك دلالة صريحة على أهمية حق الجوار في الإسلام.

ومن حقوق الجار رد السلام وإجابة الدعوة لما لها من آثار طيبة في إشاعة روح الألفة والمودة، وتفقده وقضاء حوائجه.

ويقول د.أحمد محمد سليمان عميد كلية أصول الدين جامعة أسيوط: "الجوار في الإسلام لا يقتصر على جوار البيت فقط وإنما للجوار صور عديدة، فهناك الجوار في مكان العمل أو في مكان تحصيل العلم وقد يكون في السفر، وحق الجوار لا ينظر فيه إلى الانتماء العقائدي والمذهبي، بل هو شامل لمطلق الإنسان مسلماً كان أو غير مسلم وإذا كان الإحسان إلى الجار عملا تقتضيه الفطرة السليمة وتدعمها العقيدة الصحيحة، فإن إيذاء الجار دليل على ضعف الإيمان بالأوامر الإلهية والوصايات النبوية وقد حذّر الرسول "صلى الله عليه وسلم" من مغبة الوقوع فيه".

ويضيف د.أحمد سليمان :"حسن الجوار ليس كفّ الأذى فحسب، وإنما هو الصبر على الأذى من أجل دوام العلاقات وعدم حدوث القطيعة".

ويقول د.أحمد محمود "طبيب أطفال": "لقد نشأت في بيئة شعبية وعندما تزوجت سكنت في بيئة أخرى هادئة وبعيدة ولكني مازلت أشعر بالحنين إلى بيتنا القديم، حيث كان الجيران يجتمعون في شقة أمي يتحدثون ويشربون القهوة ويناقشون مشاكل الجيران ويساعدون بعضهم ويشاركون الجميع في مشاعر الفرح والحزن.

وأحياناً عندما نحتاج إلى شيء نستعيره من الجيران ونتبادل الهدايا وأطباق الحلوى وكعك العيد ونجتمع كل يوم ونلتقي معاً في مشاعر من الحب والاحترام.

وعندما سكنت في منطقة بعيدة ذات العمارات الشاهقة الكبيرة أصابني الإحباط لتفكك العلاقات مع الجيران، فأنا أسكن في هذه العمارة منذ عشر سنوات ولا أعرف من هم جيراني ولا توجد علاقات بيننا، لذلك أشعر بالغربة في هذا المكان ولذلك اخترت مكان عملي في المنطقة الشعبية التي ولدت فيها حيث أمارس عملي كطبيب أطفال، وأشعر بذاتي مع الجيران وأهل الشارع وأصحاب المحلات والجميع يتبادلون معي مشاعر الود والاحترام".

21