علاقة تضمنها المواثيق

إيجاد التوازن صعب لكنه ممكن، بين القيم الليبرالية والحقوقية وبين الانفتاح على التقنيات الحديثة. فالأنظمة الدكتاتورية تطوع التكنولوجيا لتشديد قبضتها.
الثلاثاء 2018/11/13
الشبكات الاجتماعية سلاح جديد

المتوجسون مما يمكن تسميته بالاجتياح التكنولوجي للقيم الديمقراطية يتصفون بكونهم ذوي “نظرة حولاء” فهم من جهة يحتفون بالتقدم العلمي والثورة الرقمية الهائلة، ومن جهة ثانية يتوقعون ألّا تتأثر نظمهم الاجتماعية والسياسية بهذه التكنولوجيا، وتناسى هؤلاء بأن سن القوانين في ظل إرادة سياسية حرة، كفيل بطرد شبح التكنولوجيا المهددة للقيم الديمقراطية.

لقد واكبت الآلة الدعائية التقدم العلمي، فمنذ ظهور النظم الديمقراطية سخّرت الحملات الانتخابية الطرق الممكنة في سبيل ترجيح الكفة لصالحها، وهذا أمر “مشروع″ ضمن قواعد اللعبة الديمقراطية ويمكن الطعن فيه وفق اللوائح والقوانين.. فما الذي تغير حتى ترتفع الأصوات المحتجة على مواقع التواصل وكأنها “ضرّة” الديمقراطية لا يُستطاب التعايش بينهما؟

كل ما في الأمر أن المُنجز التكنولوجي تحول إلى دجاجة تبيض ذهبا لدى الأخيار والأشرار، ولا أحد لديه الرغبة في “ذبح هذه الدجاجة”. كل ما يتطلبه الموضوع هو إيجاد توازن يبدو صعبا لكنه ممكن، بين القيم الليبرالية والحقوقية وبين الانفتاح على المنجزات التكنولوجية. فحتى الأنظمة الدكتاتورية والفاسدة تطوع التكنولوجيا لتشديد قبضتها وممارسة شتى أنواع الرقابة.

إنها مسألة خيارات ونوايا فمن المؤكد أن فرض الرقابة على المعلومات والتلاعب بها اتجاه قديم قدم الأخبار ذاتها. لكن ذلك النوع من الحرب الهجينة -التي ترعاها دول ونشهدها اليوم- شيء جديد. فقد حولت القوى المعادية شبكة الإنترنت المفتوحة إلى بالوعة من التضليل، وقسم كبير منها ينتشر بواسطة روبوتات آلية تستطيع المنصات الكبرى تطهيرها دون تقويض المناقشة المفتوحة، هذا إن كانت لديها الرغبة في القيام بذلك.

التعايش بين الثورة الرقمية والقيم الديمقراطية ممكن بل هو واقع لا مفر منه، ولا يتم إلا عبر الإرادات السياسية وسن المزيد من القوانين الرادعة، بالإضافة إلى المواثيق الأخلاقية المنظمة رغم الصعوبات الناجمة عن المنطق التنافسي بين الشركات المنتجة وما ينجم عن ذلك من لغة احتكارية لا يمكن لجمها إلا بسن المزيد من القوانين الصارمة.

الأنظمة القادرة على حظر المواقع الإلكترونية بمنطق الرقابة والتضييق على الحريات، قادرة أيضا على حماية الحريات وصون مؤسساتها الديمقراطية إن هي أرادت ذلك.. إنها مسألة إرادة سياسية لا أكثر ولا أقل.

الحقيقة التي ينبغي أن يتوقعها الجميع في خضم الدور التضليلي الذي يمكن أن تلعبه المنصات الإلكترونية في العمليات الانتخابية وغيرها من المؤسسات الديمقراطية هو أن شركات التكنولوجيا ستواصل إصرارها على الادعاء بأنها مجرد وسيلة لتوزيع المعلومات. والواقع أنها تعمل عمل شركات النشر، وينبغي لها أن تخضع للضوابط التنظيمية والمواثيق الأخلاقية؛ ليس فقط كشركات نشر، بل وأيضا بوصفها موزعة شبه احتكارية.

منصات وسائل التواصل الاجتماعي لا تلعب دورا بالغ الأهمية كقنوات لنقل المعلومات المتدفقة فحسب؛ بل وتواجه أيضا انتقادات شديدة لفشلها في ضبط المحتوى غير القانوني أو المسيء، وخاصة خطاب الكراهية والدعاية المتطرفة.

لقد دفعت هذه الإخفاقات العديد من الحكومات الأوروبية والاتحاد الأوروبي ذاته إلى التحرك. وفي هذا الصدد، أصدر الاتحاد الأوروبي مبادئ توجيهية لشركات الإنترنت، وهدد بمتابعة الأمر عبر إصدار تشريعات رسمية إذا لم تمتثل هذه الشركات لتوجيهاتها.

ألمانيا، مثلا، ذهبت فعلا إلى سن قانون يقضي بفرض غرامات شديدة على المنصات التي لا تزيل محتوى المستخدم غير المشروع ضمن إطار زمني محدد.

وتعد مثل هذه التدابير من أفضل طرق التصدي لاستخدام منصات وسائل الإعلام الاجتماعي كسلاح من قِبَل وكالات الاستخبارات، وجماعات متطرفة تسعى إلى بث الفُرقة والانقسام في المجتمعات الغربية، من خلال خطاب الكراهية والتضليل.

المشكلة تتمثل في أن المنظومة الديمقراطية ضيقت على نفسها بالتراخي في ملاحقة مواقع التواصل، باسم احترام الحريات وتناست أن هذه المواقع سمحت لنفسها بأن تصبح أداة لعمليات خاصة مثل التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية 2016. ونفس هذه المنصات الكبرى عزفت عن تزويد الحكومات الديمقراطية وعامة الجماهير بالمعلومات.

شركات وسائل التواصل الاجتماعي لديها القدرة على فرض قدر كبير من النفوذ والتأثير على المجتمعات، ولكنها لا تملك حق وضع القواعد. فهذه السلطة تنتمي إلى المؤسسات الديمقراطية، وهي ملزمة بضمان تصرف شركات وسائل التواصل الاجتماعي.

الأمر الحاسم في هذه المسألة هو أنه، وعندما تكون الديمقراطية ذاتها عُرضة للخطر، يُصبِح لزاما على منصات وسائل التواصل الاجتماعي أن تتحمل المسؤولية وتتحلى بالشفافية.

12