علاقة مؤسسات التصنيف الائتماني بالدول.. تركيا أنموذجا

الخميس 2016/10/27

تتهم الدول مؤسسات التصنيف الائتماني بالتآمر حين تخفض درجة الثقة باقتصاد الدولة، لكنها لا تمتدح هذا التصنيف إذا رفعت تلك المؤسسات درجة الثقة بقدرة الدولة على سداد ديونها.

هذا حال تركيا اليوم، بعد الانقلاب الفاشل في 15 يوليو الماضي، وحال الكثير من الدول ذات الاقتصادات الناشئة، التي تقع على عاتقها، اليوم، قيادة نمو الاقتصاد العالمي، بدلا من الاقتصادات المتقدمة التي لم تخرج بعد من حفرة الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، عقب فضيحة الرهن العقاري في الولايات المتحدة عام 2007، حيث لا يزال نمو الاقتصاد العالمي معتمدا على الصين، والهند وإندونيسيا وجنوب أفريقيا، خاصة بعد تباطؤ النمو في كل من تركيا والبرازيل.

تخفيض وكالة التصنيف الدولية “ستاندارد آند بورز” التصنيف الائتماني لتركيا من “ب ب +” إلى “ب ب”مع الحفاظ على توقعات بنظرة “سلبية”، جاء بعد أسبوع على الانقلاب الفاشل في 15 يوليو.

وبررت الوكالة ذلك، في بيان يوم الـ21 من الشهر نفسه، بأن “خفض التوقعات للتصنيف يعكس رؤيتنا بأن الأفق السياسي في تركيا ازداد تمزقا عقب الانقلاب العسكري الفاشل”. وما خفف من أثر ذلك التصنيف عن الاقتصاد التركي عدم إقرار المؤسسة تصنيفا سلبيا بدرجة ” ب ب -“، أو أكثر سلبية.

كما وضعت وكالة التصنيف الدولية “موديز” التصنيف الائتماني لتركيا على المدى الطويل على قائمة المراجعة لتخفيضه من الوضع الحالي “Baa3” إلى”BI1“، مبررة ذلك بـ”مخاوف بشأن سيادة القانون في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، ومخاطر بشأن التمويل الخارجي وتباطؤ الاقتصاد”.

وأوضحت موديز أنه على الرغم من “حقيقة فشل الانقلاب، إلا أن حقيقة حدوثه تشير إلى وجود مجموعة واسعة من المشكلات السياسية والخلافات”. وسارت فيتش على خطى الوكالتين السابقتين، فتراجعت الليرة التركية ومؤشرات الأسهم بشكل حاد بسبب استمرار الاضطرابات بعد فشل الانقلاب.

ساهم ذلك التخفيض الثلاثي في ترنح الليرة التركية لتستقر فوق حاجز ثلاث ليرات مقابل الدولار الأميركي (أدنى سعر لليرة بلغ 3.0970 بعد ستة أيام من الانقلاب عند صدور تصنيف ستاندارد آند بورز للاقتصاد التركي)، بعدما كانت تتأرجح بين ثلاث ليرات، و2.88 مقابل الدولار خلال عام ونصف العام، متأثرة بالأحداث السياسية الداخلية، وبالحدث السوري، وبالهجمات الإرهابية التي ضربت كبرى مدن تركيا مرات عدة، مرورا باضطراب العلاقة التركية الروسية، وليس انتهاء بالانقلاب الفاشل الذي برر للمؤسسات المذكورة تخفيض درجة الثقة بالاقتصاد التركي.

يُقال عن مؤسسات التصنيف الائتماني ما يُقال عادة عن البنوك العالمية التي تتحكم بحركة التحويلات المالية في شرايين الاقتصاد العالمي، بحيث يلعب بعضها دور الوسيط بين البنوك المحلية والعالمية في مشارق الأرض ومغاربها، حتى في فترة ما قبل تشديد الرقابة على تمويل الإرهاب، واستشراء ظاهرة غسيل الأموال. والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات المصدرة للبطاقات الائتمانية (ماستر كارد، فيزا، أميركان إكسبريس.. وغيرها).

في ما يخص مؤسسات التصنيف الائتماني في أميركا، فقد نشأت ملبية الحاجة لرأي استشاري عند طلب المستثمرين الاقتراض لغرض التوسع. وفي سنة 1909، أنشأ جون مودي شركة موديز لخدمات المستثمرين.

كما تأسست شركة بورز للنشر عام 1916، تلتها شركة ستاندارد للإحصاء في 1922، وشركة فيتش للنشر في 1924. وباندماج الأوليين تشكلت ستاندارد آند بورز في عام 1941. والشركتان تهيمنان الآن على 90 بالمئة من هذه السوق.

وتقوم هذه الوكالات بتصنيف قدرة الشركات الخاصة والعمومية على سداد ديونها إذا لجأت إلى الأسواق المالية لإصدار سنداتها، إضافة إلى الديون السيادية بالنسبة للدول، وما دون السيادية في ما يتعلق بالبلديات، في المدن والمحافظات، في الدول الفيدرالية والكونفيدرالية.

وعلى الرغم من ذلك، تعد الوكالات تصنيفاتها مجرد آراء استشارية تعبر عنها فقط، وأنها لا تُلزم المستثمرين، ولا تضمن أي شيء بالنسبة لهم. ويتساءل الخبير الاقتصادي التركي، أردال كاراغول، عن تخفيض الدرجة الائتمانية للبلاد التي تواصل تحقيق نمو اقتصادي سنوي متواصل منذ 2009 (حتى الشهر السابع بلغ نمو إجمالي الناتج المحلي 3.9 بالمئة منذ بداية العام، حسب كاراغول).

بل إن هيئة الإحصاء التركية أعلنت أن نسبة النمو خلال الربع الثاني من العام الحالي وصلت إلى 3.1 بالمئة، وأن الاقتصاد نما خلال الثلث الأول من هذا العام بنسبة 4.8 بالمئة مقابل 4 بالمئة في المدة نفسها من العام الماضي.

أما أكبر الانتقادات التي لا تزال تتعرض لها فهو دورها الكارثي في أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة عام 2007، كونها ضللت المستثمرين عبر منح درجة “أ أ أ” لمنتجات مالية ذات مخاطر عالية، ما أدى إلى خلق اقتصاد ورقي نتيجة الإقبال الكبير على العقارات، فولَّد البيت الذي ثمنه مليون دولار، عند رهنه مرات متتالية، العشرات من ملايين الدولارات، وعند نشوب الأزمة أرادت البنوك استرداد أموالها من الساكنين بحجز البيت، فوجدت أنه لا يساوي عُشر القروض التي منحتها هذه البنوك المخدوعة بالتصنيف الائتماني المضلل.

ويعني خفض التصنيف أن على تركيا، وغيرها، دفع فوائد أكبر من المعتاد عند طلب أي قرض جديد، نتيجة “تحمل المقرض مخاطر أكبر من المعتاد”.

وعلى الرغم من تخفيض سعر الفائدة المرتفع كثيرا في تركيا 12 – 13 بالمئة، بشكل طفيف في سبتمبر الماضي، لا تزال حركة الاستثمارات بطيئة، حتى في القطاع العقاري، الذي تأثر هذا العام، على العموم، بالانخفاض الكبير لعدد السياح القادمين إلى تركيا. ففي ذروة الموسم السياحي، بلغ عدد السياح 17 مليون سائح خلال الشهور الثمانية الأولى من عام 2016، مقارنة بـ 37 مليون سائح عام 2014، كأكبر عدد من السياح تستقبله تركيا في تاريخها.

هذا يعني حدوث تدهور حاد في السياحة مقارنة بما كان عليه الأمر في مايو الماضي، عندما كان التراجع بنسبة 23 بالمئة فقط، مقارنة بمايو 2015. والمتوقع أن يختم عام 2016 تراجع السياحة بنسبة 40 بالمئة.

مع ذلك، سيقتصر تخفيض التصنيف الائتماني للديون التركية على المدى القصير فقط، وسيبدو أثره المباشر من خلال إحجام المستثمرين الأجانب والشركات الأجنبية العاملة في البلاد، لكن امتداد ذلك التأثير إلى المدى المتوسط سيجعل الاقتصاد التركي في مشكلة تحتاج إلى إصلاحات بنيوية لا تقتصر على الخطابات، أو على اتهام مؤسسات التصنيف بتسييس تصنيفها للاقتصاد التركي. ولذلك نصح خبراء أتراك وأجانب تركيا بالتعامل الجدي مع المسألة، حتى لو كانت وراءها دوافع سياسية، والإصغاء لآراء موديز، وفيتش، وستاندارد آند بورز.

كاتب سوري

6