علامات انفراج في كردستان والبارزاني يتراجع

الخميس 2017/10/26

بتاريخ 17 أكتوبر 2017 وجّه رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني رسالة مؤثرة قال فيها “نطمئن شعب كردستان، ونؤكد أننا سنبذل كل جهدنا وسنفعل كل ما هو ضروري من أجل الحفاظ على مكتسباتنا وحماية الأمن والاستقرار لشعب كردستان”. وذكر في هذه الرسالة حالة انقسام كردي داخلي أدّت إلى خسارة الأكراد لكركوك.

بعد ذلك بثلاثة أيام وبتاريخ 20 أكتوبر 2017 وجّه البارزاني رسالة ثانية إلى الشعب الكردي والعالم برر فيه “الاستفتاء” بأنه مجرد محاولة سلمية للتعبير عن رأي الشعب في الانفصال عن العراق، وكان القلق واضحا في نص الرسالة التي تستصرخ العالم للمساعدة فهو يقول “من هنا أخاطب وجدان شعوب العالم والرأي العام ومحبي السلام والمثقفين في جميع أنحاء العالم بدعم شعب كردستان، ومنع حدوث إبادة جماعية وكارثة جديدة ضد شعبنا”.

وجّه لي مقيم عربي بأربيل رسالة تقول “البارحة مجموعة أصدقاء أكراد بينهم أسايش وبيشمركة ومهندسون وطبيب يلقون باللائمة على كاكا مسعود ويقولون لقد ورطنا ثلاث مرات، أولها سنة 1975 حين أصر على القتال حتى باع الشاه الأكراد لصدام حسين في اتفاقية الجزائر، والثانية سنة 1996 عندما تحالف مع صدام حسين وسلم المعارضين في قتال داخلي بين البارزانيين والطالبانيين.

وهذه المرة الثالثة حين أصرّ على الاستفتاء وهي القاصمة وإن الرئيس العراقي الراحل مام جلال في جلساته الخاصة كان يعاتب مسعود ويقول إنه لا يسمع النصح وما زالت عقلية الجبل برأسه. والآن همّ الأكراد ليس كركوك بل يعتبرونها حلما انتهى، وإنما يريدون المحافظة على الإقليم وينتظرون صرف رواتبهم من المركز لأن الناس في صدمة وصعقة”.

ونقلت واشنطن بوست عن محمود عثمان، أحد السياسيين الأكراد المخضرمين، قوله إنه “قام بتحذير البارزاني في اجتماع بعد تحديد تاريخ عقد الاستفتاء، من أنَّ الشعب سيتعرض للإحباط لأنه لا سبيل للاستقلال وسط هذه الاعتراضات الإقليمية”.

وتابع عثمان أن “السبب الذي من أجله كان البارزاني حريصا كل هذا الحرص على عقد الاستفتاء دون تمهيد الطريق له ليس مفهوماً”، ولفت أن البارزاني اعتقد أن التصويت سيضيف إلى القوة التفاوضية لكردستان مع بغداد ومع المنطقة عموماً، لكن العكس صحيح.

اتصل بي شخصيا الأستاذ هيثم مسؤول مكتب البارزاني في النرويج وذكر بأنهم يهتمون بمقالاتي وربما يتصلون بي لاحقا لتحليل الموقف. انتهزت الفرصة ووجهت رسالة السبت الماضي إلى رئيس الإقليم فالبارزاني في وضع صعب جدا. هناك حديث عن صرف رواتب حكومية لمحافظتي السليمانية وكركوك وتجويع أربيل ودهوك، وانشقاق كردستان إلى قسمين، وتحالف تركي إيراني متماسك ضد أربيل، ودعم سعودي قوي للحكومة العراقية.

ربما الموضوع انتهى ونحتاج إلى صيغة استسلام. سيصل الأمر قريبا إلى إنقاذ أربيل من الخراب، وفي سبيل المدينة يتنازل القائد العظيم. لعيون أطفال المدارس وفتيات كردستان ينحني الجبل البارزاني.

قبل ساعات وبتاريخ 24 أكتوبر 2017 صدر البيان الكردي التاريخي المنتظر حيث قررت حكومة أربيل “تجميد الاستفتاء” ووقف إطلاق النار وعرض التفاوض. يقول البيان “إن القتال بين الطرفين لا يفرض انتصار أي طرف، بل يقود البلد إلى دمار شامل وفي جميع جوانب الحياة”. هذا التعقل والتراجع رغم المرارة والخسارات يؤكد حرص البارزاني على المدينة والقرية الكردية وسيحظى ذلك باحترام العالم أجمع.

لقد تعرض الأكراد لضربة قاسية وأعتقد بأن حكومة بغداد ستقبل ببيان حكومة الإقليم الأخير بوصفه وثيقة استسلام. لقد انتهت كردستان كمشروع. حاولوا الاستيلاء على كركوك لأنها تمثل 100 مليون دولار يوميا بين الغاز والنفط ودخول مجموعة أوبك. ولكن دون كركوك ماذا يبقى من الحلم الكردي سوى القصائد؟ الناس تهاجر وتعبر المحيطات وتترك لغاتها ودينها وأوطانها في سبيل الخبز والرزق. فما جدوى القومية إذا كانت محكومة بالفقر والجوع؟

رسالة من كردستان تقول “الوضع في دهوك وزاخو سيء جدا بسبب الحالة الاقتصادية. لا يوجد عمل ولا رواتب وسعر برميل النفط بالإقليم 200 ألف دينار (حوالي 200 دولار) وسعر قنينة الغاز 25 ألف دينار والفقير كيف يعيش؟ الإقليم يعطي ربع الراتب للأكراد الموظفين وأحيانا لا يوجد راتب أصلا”.

القضية من ناحية وطنية محرجة أيضا. شاب كردي يقول أنا مواطن عراقي ولكن أرجوك لا تقدم لي ورقة وتسألني هل تريد دولة كردية أم لا؟ فهذا حلم أسلافي عبر العصور. ويقول شاب آخر إن البيشمركة الشجعان في كركوك لم يهربوا من الجيش العراقي بل هربوا من الوطن.

كيف “استفتاء” لإنكار الوطن؟ وكما يهرب الصبية العابثون من أبيهم. هرب الأكراد من الجيش العراقي. الشيعة أطلقوا رمزية الأب العراقي فهرب الأكراد كالمذنبين العالمين بذنبهم. شاب من الأنبار يقول “لقد استغرق الطريق من بغداد إلى الفلوجة ثلاث سنوات لوجود ندية وحق، بينما لم يستغرق الطريق من بغداد إلى كركوك سوى 6 ساعات”.

ربما لهذا السبب قال السفير الأميركي الأسبق لدى العراق، زلماي خليل زاده “لو لم تنسحب قوات البيشمركة من كركوك وتصدت للهجمات، لكان الموقف الأميركي مختلفا، ولحاولت أميركا وقف القتال، والبدء بالمفاوضات”.

أعتقد أن المملكة العربية السعودية في استقبالها لحيدر العبادي بحثت موضوع الانقسامات الطائفية والعرقية مع الحكومة العراقية فلا يمكن لـ”لجنة التنسيق السعودي العراقي” أن تكون فعّالة إلا إذا تمت معالجة هذه الانقسامات.

علم كردستان ينزل في نصف المساحات التي سيطر عليها إقليم كردستان في القرى والمدن ويصعد مكانه العلم العراقي. الشعب الكردي صوّت بنسبة 94 بالمئة للخلاص من الوطن ويجد نفسه مضطرا إلى العودة للوطن الآن. فاضل ميراني سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني وجد نفسه محرجا أمام هذا السؤال وقال إنه عراقي ويفخر بهويته العراقية رغم الاستفتاء.

لقد كانت زيارة العبادي مع عشرة وزراء إلى الرياض بمثابة صمام أمان للعراق، فقد جاءت الدعوة بعد ظهور تسجيل بتاريخ 19 أكتوبر 2017 يعرض فيه الحشد الشعبي قتلى البيشمركة. شباب أكراد معظمهم ضباط غارقين بدمائهم على الطريق بين كركوك وأربيل. كان عرض صور القتلى الأكراد مروعا.

شباب لهم أبناء وزوجات وأمهات وحبيبات، لهم أسماء وذكريات وأصدقاء طفولة. ويوم بتاريخ 24 أكتوبر 2017 عرضت البيشمركة تسجيلا لأسرى وجرحى من الجيش العراقي في نقطة فيشخابور. كان الوضع مرشحا للتصعيد لولا التدخلات والمناشدات العربية والعالمية.

هناك انتهاكات قامت بها الميليشيات هذا مؤكد ومعروف، ولكن بالمقابل هناك انتهاكات أخرى قامت بها البيشمركة. فقد تلقيت رسالة تقول “لقد أوجعنا المضيفون أكثر مما أوجعنا العدو. والله إني لفخورٌ أن أهلي في الحويجة بلا أحذية وإلى وقت قريب جدا لا يعرفون أن للشاي مذاقين حلوٌ ومُر على الرغم من أنهم كانوا متيمين به. هناك حقيقة لا تعرفها ألا وهي أن أشدّ من نكل بالعرب في كركوك هم بعض الأكراد”. هذا الوضع يجب أن يتوقف من جميع الأطراف ويجب أن تشمله جلسات الحوار بين كردستان والحكومة العراقية.

كان المنتظر من مسعود البارزاني أن يحاكم محافظ كركوك المخلوع نجم الدين كريم بتهمة العنصرية بعد هربه إلى أربيل. كان ذلك سيرفع من شعبية البارزاني. لقد كان نجم الدين يتصرف وكأنه الجنرال رومل والجميع يمقته لعنصريته وجرائمه الكثيرة بكركوك.

العالم كله ضد حرب جديدة في العراق، فقد قالت وزيرة الدفاع الألمانية منذ بداية المشكلة إن ألمانيا ستعلق مهمتها لتدريب قوات البيشمركة الكردية في شمال العراق بسبب الصراع بين الأكراد والحكومة العراقية.

من جهته أكد مستشار الأمن القومي الأميركي، هربرت ماكماستر، بتاريخ 19 أكتوبر 2017، أهمية تحالف الولايات المتحدة مع إقليم كردستان. ورغم عدم ارتياح العرب فالحقيقة أن كلا من الرئيس الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومستشار الأمن القومي ورئيس الاستخبارات الإسرائيلية قد تحركوا لدى المجتمع الدولي لمنع اقتحام عراقي لكردستان.

كانت إيران من جهتها تسعى إلى إراقة الدماء في العراق فقد أكد الأحد الماضي نائب قائد القوات البرية في الجيش الإيراني أحمد رضا بوردستان أن العراق سيفرض سيطرته على إقليم كردستان خلال الأيام المقبلة، مشيرا إلى أن الأميركان والصهاينة بدؤوا مشروع إقليم كردستان والحديث عن الانفصال بسبب فشلهم في احتلال العراق وأفغانستان.

الروسي كيفورك ميرزيان الأستاذ المشارك في قسم العلوم السياسية في الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية في مقال كتبه لوكالة نوفوستي قال إن خيانة الحلم الكردي جاءت من الولايات المتحدة. وإن الاستفتاء بدلا من أن يقربهم خطوة من حلمهم بإقامة دولة كردية أعادهم عشرات بل مئات الخطوات إلى الوراء وقضى على مشروعهم. يستخلص الباحث من هذا أن على أكراد سوريا عدم مواجهة روسيا وتعريض حياتهم للخطر في سبيل الولايات المتحدة والأفضل لهم الاتفاق مع موسكو.

تبدو ملامح انفراج في أزمة كردستان العراق وهناك اتصالات من كل العالم لمنع الاقتتال بـين العراقيين. الشيء الوحيد المحزن في هذا المشهد هم سنة العراق. فقد قرأنا خطابات كردية تتوسل السيستاني لإعادة التحالف الشيعي الكردي لقتال فلول النظام السابق. لم يبق بنا رمق للقتال يا سادة.

السنة يأسفون لأن الأزمة الحالية في كردستان كانت بسبب ضعفهم. لطالما كانت مواجهة “الخطر السني” سببا للألفة بين الشيعة والأكراد. لم يعد لدى شعبي ما يكفي من الدماء لهذا التحالف بعد 14 عاما من النزيف.

دمنا الغزير المسفوح على جدران البيوت وتحت الأنقاض حافظ على أخوتكم وتحالفكم. لقد جف بكل أسف ونضب. در حليب أمهاتنا طويلا على كركرات أطفالكم، ومع هذا نشعر بالذنب لأن ضعفنا قد تسبب بالحرب بينكم.

كاتب عراقي

8