علامات نهاية السودان

الأربعاء 2014/08/06

الكراهية هي أكثر المشاعر التي تجعل الإنسان ينزع إلى الوحدة، حيث تأخـذ الشخص إلى نفسه فقط فتُلهيه بهـا، وتنسيــه كل ما/ ومن حوله، وتقتـل في دواخلـه المشاعر والأحاسيـس، فيصبح الشخص الذي تحركه الكراهيـة دون المبـادئ، جـزءًا لا هوية له، يتحرق رغبةً في الالتحـام بالأجـزاء التي تشبهـه، فينتهـي به الأمر إلى البحـث عن كارهيـن و(كريهيـن) آخـرين ليتحـالف معهـم.

وفي النهاية لن تكون محصّلة هذه الكراهية الخطيرة سوى أنها تجعل ذلك الشخص يتخلى عن كل القيم النبيلة التي ظل يدافع عنها وينافح من أجلها، فُيعيد دون أن يدري صياغة نفسه على غرار ظالميه.

أتمنى لو كنت أنا قائل هذه الموعظة الأخلاقية العظيمة، ولكنني أنقلها من نسخة رديئة مهترئة لكتاب لاحقني به بائع كتب جائل، وألح عليّ دون سائر خلق الله من السابلة بشارع طلعت حرب في القاهرة أن اشتريه منه، اسمه: «المؤمن الصادق: أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية» من تأليف إيريك هوفر وترجمة غازي القصيبي، فاشتريت الكتاب إكراما لاسم المترجم، وهو شاعر ومثقف ودبلوماسي سعودي بارز، وقعتُ تحت تأثير كلمته منذ أول قصيدة قرأتها له عن غزو (العلوج) للكويت.

والحق يُقال إنني بعد أن أكملـت قراءة الكتاب، دعــوت للراحل القصيـبي بــأن تضاف ترجمته النيّــرة هذه إلى ميــزان حسناته الكثيرة، وأن تعم شآبيب الرحمة المفكر الأميركي «إيريــك هوفر» حيا كان أم متوفى.

كل هذا الاستطراد سببه كتابات البعض على حوائط الـفيسبوك، وتعليقات بعض القراء حول أحداث الخرطوم الأخيرة.

فحادثة الاعتداء التي تعرض لها الأستاذ «عثمان ميرغني» رئيـس تحـرير صحيفـة «التيار» مـن عناصر تابعة لجهاز الأمن، كشفت عن مقدار الكراهية التي عششت في قلوب بعض من يدعون معارضة النظام القمعي في الخرطوم، ولكنهم ودون وعي منهم يرجمون بحجارة من سجيل «كيبورداتهم» الضحيِّة دونما توجيه أي إدانة إلى المُعتدي، كما عبر عن ذلك أحد «النشطاء» على حائطه الفيسبوكي، وهو يضع صورة عثمان والدماء تغطي وجهه، كاتبا دون أن يرتعش كيبورده: «كيدهم في نحرهم»! وكالعادة لم يترك «ناشط» آخر حفلة الشواء المجانية هذه تفوته دون أن يتدخل فكتب وهو يضع صورة أكثر دموية: «يا رب بهم وبأهلهم عجل بالنصر والفرج».

يا للهول ويا للمأساة، لماذا يُحاسب الضحايا بماضي أفكارهم؟ وكيف يتنازل ناشط عن إنسانيته بهذه السهولة المٌخيفة؟

والطامة الكبرى ما كشفه العدوان الإسرائيلي المجنون على غزة، وما خلفه من مأساة إنسانية حقيقية وسط الأطفال والنساء والمدنيين هناك، حيث كشف عن جهل وزيف بعض الديمقراطيين السودانيين، فليست الكتابات المُرتجفة والمُرجفة وحدها التي استثارتني، بل إن صديقا، كنت أدخره ليومٍ، عبوسا قمطريرا، أدخل البؤس والعبوس في نفسيّ عندما قابلته هذا العيد، حيث حكى لي بانتشاء وفرح عارمين، وكأنه قادم للتو من جلسة استماع لسيمفونية بتهوفن التاسعة، وليس من مشاهدة نشرة الأخبار بقناة العربية، قائلا مزهوا: «إن الصواريخ الإسرائيلية على غزة ستُدمر (حماس) وتركيا وقطر!» هنيئا لمعارضتنا به، وتعسا لصداقتي معه.

لم يرَ هذا الصديق في كل هذه الصواريخ التي تفتك بأجساد الأطفال وتحرق أكباد النساء وتُشرد المدنيين الآمنين في غزّة، سوى أنها أداة لتدمير الأخوان المسلمين، فتنازل بفعل الكراهية التي أكلت قلبه وعقله طوعاً عن إنسانيته وعن كل القيم التي ظل يدافع عنها، فالتـقى دون أن يـدري مـع ظالميه من الإخوان المسلمين، فالقطري والآغا التركي يقفان نفس الموقف معه، إذ لم يُدينا حتى الآن القصف الإسرائيلي على أطفال غزة، لأن الكراهية التي تملأ قلبيهما تجاه كل ما هو مصري أعمتهما عن رؤية حقيقة وكنه الأزمة، فلم يريا أن ثمة ما يستحق الإدانة عدا المبادرة المصرية لحل الأزمة، فتفرغا للنيل من مصر ورئيسها، وكأن «السيسي» هو الذي يقتل أطفال غزة، وليس «نتانياهو»؟

هكذا استطاعت الكراهية توحيد العناصر المتنافرة فأصبح صديقي مع (قطر وتركيا) دون أن يدري، وهذا ما حذرنا منه كتاب «المؤمن الصادق».

ليست هذه كل المأساة كما يحدثنا كتاب «إيريك هوفر»، بل تتجلى في أحقر صورها عندما يرى المجرم في جرائم أخرى ارتكبها غيره فرصة لتطهير النفس دون أن يتخلى عن رغبته في ارتكاب جرائم مثلها أو تفوقها فظاعة، وهذا ما رأيته عياناً بياناً ثالث أيام العيد عندما أطلّ «عمر البشير» على قناة «الجزيرة» وهو يردد: «أين مجلس الأمن الدولي الذي يتحدث عن حفظ السلم والأمن الدوليين؟ أين مجلس حقوق الإنسان عما يحدث في غزة»؟

حكاية مُعبّرة حكاها الكاتب اللبناني البارز «سمير عطا الله» مُلخصها، أن «فيليب تقلا» وزير خارجية لبنان في عام 1975 كان خارجا في الصباح من منزله، متوجهاً لحضور جلسة مجلس الوزراء، وفي الطريق رأى قتلة يسحلون ضحيّة، فطلب من السائق التوجه إلى المطار مباشرة، ولم يعد بعدها إلى بلاده.

قال «عطا الله» إنه عندما قابله بعد سنوات وسأله عن سبب مغادرته، رد وزير الخارجية قائلاً: «إن القتل علامة البدايات، أما السحل فعلامة النهايات». وتأسيا بمقولة ذلك الوزير العاقل، أقول: إن القتل بدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق كان علامة للبدايات، أما الكراهية التي أدخلتها السلطة الحاكمة في أنفسنا فهي علامة النهايات.


كاتب وصحفي سوداني

9