علامة فارقة في الدراما الخليجية

الجمعة 2017/02/24

لا شك بأن مسلسل العاصوف -الذي سيقوم ببطولته ناصر القصبي مع حشد من النجوم، وستبثه إم بي سي في شهر أبريل القادم- سيثير جدلا حاميا في المشهد الثقافي السعودي باعتباره يقف لأول مرة على ملف في منتهى الحساسية الاجتماعية والدينية والسياسية ألا وهو ملف الصراع الطويل بين تيار الحداثة وتيار الصحوة الذي تغشّى السعودية في بدايات الثمانينات الميلادية من القرن الماضي.

من خلال تصريحات صحافية هنا وهناك فإن الملابسات الأولية التي تحيط بالمسلسل -الذي كتبه الكاتب السعودي الراحل عبدالرحمن الوابلي وأخرجه السوري المثنى صبح- تخبرنا بأن أحداث جزئه الأول ستبتدئ في عام 1970 لتنتهي مع زمن ما عُرف بالطفرة الاقتصادية عام 1975 مع اغتيال الملك فيصل وبداية حكم الملك خالد ليستمر المسلسل بعد ذلك في أجزائه الأربعة الأخرى حتى عامنا الحالي مسلطا الضوء على التقلبات الثقافية والفكرية والاقتصادية الحادة التي عاشها السعوديون في فترة ما قبل وما بعد النفط وما خلّفه من آثار نفسية وأيديولوجية عميقة في المجتمع وذلك من خلال ذاكرة مدينة الرياض ورصد التحولات التي شهدتها على مدى خمسة عقود.

في الحقيقة، لا يمكن الادعاء بأنه لا توجد أعمال روائية جادة وحقيقية سلّطت الضوء على هذا التاريخ المهم من عمر السعودية، فهنالك منجز روائي ممتدّ اشتغل عليه الكتاب السعوديون لا سيما ذوي التوجه اليساري منهم. ولكن الإشكالية ليست إشكالية نص، كما هو الحال في المسرح مثلا، وإنما هي إشكالية التمثيل والإنتاج والإخراج، فالممثل السعودي لم يعتد على تمثيل الأعمال الدرامية الجادة، فمعظمهم تنحدر تجربته من المسرح الكوميدي الذي تربّى في مراهقته على المسرح الكويتي المعتمد على السخرية و”الطنازة” والتقليد كذخيرة له، في محاولة إضحاك الجماهير بأي وسيلة ممكنة دون فن حقيقي يقدّمه على الخشبة.

وحتى لو تناولت بعض الأعمال المسرحية أو التلفزيونية بعض القضايا الحياتية المهمة للمواطن -وهذا استثناء نادر- فإنه غالبا ما تتناوله بصورة سطحية فارغة من المضمون العميق والرؤية الوجودية، حيث يتحوّل الممثلون إلى واعظين في مشاهد خطابية فاقعة بأصوات وميكرفونات عالية النبرة. والفن -بالتأكيد- ليس خطابا أخلاقيا.

لو اقتربنا من مسلسل “العاصوف”، وألقينا نظرة على فريق التمثيل والإخراج والسيناريو والإنتاج فإننا سنجده امتدادا عضويا لمسلسل “سيلفي” الكوميدي، حيث القصبي والسناني والحبيب والوابلي والمثنى، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن جدية العمل في تقديم دراما حقيقية قادرة على توصيف هذه المرحلة التاريخية الحساسة جدا خصوصا -بحسب مقابلة صحافية سابقة للسناني- وإن طاقم العمل لم يستعن بأي أحد في معرفة تفاصيل تلك المرحلة سوى مشاهداتهم الشخصية من خلال الروايات الشفهية لآبائهم ولأجدادهم. وإذا ما أضفنا إلى ذلك أن المخرج المثنى سوري الجنسية، فلنا أن نتخيّل حجم الكارثة التي يمكن أن تقع في تحويل أحياء الرياض إلى حارة شامية، تماما كما فعل في مسلسل “حارة الشيخ” حين قدّم “باب الحارة” الشامي بكروموسومات حجازية سعودية.

الكثير من المتابعين بدأ يبشّر بالمسلسل عادا إياه بأنه سيكون”علامة فارقة” في الدراما الخليجية والسعودية، وأنا معهم أتمنى أن يكون كذلك. وربما يكون من المبكر إعطاء رأي فيه. ولكن، وللأسف، فإن جميع مقدماته تخبرنا بأنه لن يتعدّى كونه معالجة درامية سطحية لواقع عميق أكبر من وعي الطاقم بمراحل كثيرة. فهذا التاريخ المغيّب لا يمكن أن يختزل فقط في صراعات الصحوة والحداثة، فإما أن يُقتحم بشجاعة كما فعل عبدالرحمن منيف، وإما أن يبقى عزيزا في أدراجه.

شاعر من السعودية

14