علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة

الأحد 2016/08/21

قيل عن الترجمة الكثير، وصفت بأنّها خيانة تارة، وأنّها جناية تارة أخرى، كما وصفت بأنّها تضحية في سبيل الآخر بالفكر والجهد، لكن هناك مشروعات رائدة تؤكّد أنّها قوة ومتعة وغاية ترتقي بالشعوب والأمم، كما تؤكّد أنّها في حقيقة الأمر محاولة لإطلاق العنان لقوة الفكر في فضاء مفتوح تتجلّى فيه سطوة الكلمة وتأثيرها المتجاوز لأمكنة وأزمنة وحدود بعينها. لا يمكن الحديث عن الترجمة في العالم العربيّ من دون التوقّف عند مشروع “كلمة” الذي يعدّ علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربيّة المعاصرة، وتكمن أهميّة المشروع في استمراريّته بوتيرة نشطة، ودأبه على نقل ما يبقي قرّاء العربيّة على اتّصال بتاريخ العالم وحداثته معاً بحيث ساهم في ردم فجوة كانت بصدد الاتّساع والتفاقم، وخفّف من قطيعة كادت تطغى.

تمكّن مشروع “كلمة” في بضع سنوات من تحقيق خطوات جبّارة نحو بلورة حلم بات جسراً عابراً للثقافات والأزمنة في واقع الحال، من خلال ترجمة عيون الأدب العالميّ إلى اللغة العربيّة، وساهم بتأثيث مكتبة عربيّة ثريّة تجاورت فيها كلاسيكيّات الأدب العالميّ إلى جانب روائع معاصرة، استمدّ منها قرّاء العربية، القارئ والدارس والباحث والأديب والفنان وغيرهم، إبداعات كبار الفلاسفة والمبدعين العالميين التي من شأنها الإبقاء على جذوة التواصل متّقدة عبر سنين وسنين.

جسّد مشروع “كلمة” أصالة الكلمة الحرّة ومسؤوليّتها تجاه زمنها وأهلها، ويعدّ من المشروعات الثقافيّة والفكريّة القليلة التي حافظت على مستوى رائد، وضخّت تجديداً لا تخفى آثاره الجلية في جسد الثقافة العربيّة المعاصرة، وتكبر دوائر تأثيره الفكريّة والثقافيّة بتقادم الأيّام وتراكم النتاجات اللافتة المميّزة. ولعلّ هذا المشروع الرائد يظلّ مغامرة الترجمة الأجمل في عالم تتصادى فيه نداءات الكراهيّة والتقوقع والظلامية، وتراه يثبت باستمراريّته ومواكبته أنّ الكلمة سلاح الأقوياء، وأنّ قوّة المعرفة هي القوّة العظمى التي يفاخر بها المرء الأمم والعالم.

الجِدّة والجديّة وسمتا إصدارات “كلمة”، التي كانت من المؤسّسات التي حرّكت ركود الترجمة في العالم العربيّ، ولم تقتصر على فرع أو جانب بعينه، بل نوّعت لتؤسّس مكتبة عامرة بمختلف أنواع الإبداعات في شتّى صنوف العلم والمعرفة والفكر والأدب.

يؤكّد المشروع أنّ الكلمة تظلّ محور الاهتمام ومركز الثقل، وأنّ الكلمة التي وصفت بأنّها البداية تكتسب التجذّر في ميدان الترجمة وتكون ثقافات العالم في حضن القارئ العربي، تمنحه إياها بطريقة لافتة وأناقة تناسب أهمية الكتاب ودوره التاريخيّ في تقدّم الأمم وارتقاء الشعوب.

أوصل مشروع “كلمة” رسالة شديدة الأهمّية للقرّاء والمتابعين والأدباء والمترجمين أنّ قرّاء العربيّة سيظلّون على تماسّ وتواصل مع الجديد والمفيد دوماً في عالم الفكر والثقافة والعلم وشتّى صنوف المعرفة الإنسانيّة، وهذا هو الرهان الذي نجحت فيه “كلمة” طيلة مسيرتها.

كاتب من سوريا

11