علام اتفق الأتراك والأميركان

الثلاثاء 2015/02/24

من المفيد أن نتذكر الأسباب المادية والمعنوية التي دفعت الشعب السوري إلى الانتفاض والثورة. هذه الأسباب لم تشمل موقع سوريا الجيوسياسي ولا دورها ولا حتى علاقاتها العربية والإقليمية والدولية. كل ما في الأمر أن السوريين انتفضوا بعد أن أغلقت أمامهم كل سبل الحياة واتحدت في وجوههم أسباب الفقر والقهر والمهانة.

ثار السوريون في وجه الأمن، رجالا وفروعا ومعتقلات، الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود بعاهات. ثاروا في وجه الفساد الذي سلبهم لقمة العيش من الأفواه. ثاروا في وجه غد أشد ظلمة وظلما من يومهم. ففوجئوا بهذا الكم من الحقد والنار التي طالت كل مناحي حياتهم على مرآى من العالم ومن قواه وحكوماته وأنظمته ومؤسساته الدولية والـ “إنسانية”.

وإن كان للمعارضة المكرسة التي تم تدريب كوادرها على أيدي قوى ودول ذات مصالح وأهداف، تتعلق بالسلطة وتحلم بتطيير الأسد لتحل مكانه بدعم خارجي، وإذا كان “أصدقاؤها” الخارجيون من أنظمة ودول يريدون فرض أجنداتهم الخاصة عبر تسخير هذه الجهة المعارضة أو تلك لتنفيذ هذه الأجندات، فقد كانت ثورة الشعب السوري في واد، وهؤلاء المعارضون وتوجهاتهم وأهدافهم في غير واد.

وهكذا شهدنا على مدى أربع سنوات واقعين مختلفين؛ الأول يمكن تلخيصه في ترك الشعب السوري لقمة سائغة لقوات النظام الأسدي ولمجازر شبيحته، وصولا إلى تدمير شامل للقرى والأحياء والمدن وتشريد ما يقرب من نصف سكان سوريا، ثم ترك من تبقى ليقع بين فكي كماشة النظام من جهة والقوى الظلامية وبالأخص داعش من جهة ثانية، تمعن تقتيلا وتدميرا بكل أنواع الأسلحة، والثاني يتمثل في معارضين سوريين يعيشون في الخارج يتمتعون بكل رغد العيش ويتنقلون من فندق إلى فندق وتسخر لهم المطارات والقاعات، ولا يتفقون على رأي موحد يتيح لهم أن يدّعوا حقا أنهم يمثلون بحد أدنى الشعب السوري الذبيح.

لقد واجه الثوار السوريون قوى الإرهاب الديني، وداعش تحديدا، في جبهات عديدة واستطاعوا دحرها من ريفي إدلب واللاذقية ومن ريف حلب الغربي ومن الغوطة ومنعوها من الجنوب السوري دون أي توجيه أو دعم خارجي فاعل. ولم تتوسع سيطرة داعش في سوريا إلا في ظلال طائرات هذا التحالف. فهل نسينا أن الشعب السوري والجيش الحر وعشائر المنطقة الشرقية في الرقة ودير الزور والحسكة قد تركوا في مواجهة جحافل داعش لأشهر أمعنت فيهم تجزيرا وذبحا وقهرا؟ وهل نسينا استغاثة دير الزور حين أطبقت عليها قوات النظام من جانب، وجزارو داعش من جانب آخر وما من مغيث؟

وإذا كانت الشروط التركية للانخراط في هذا التحالف الدولي لم تلقَ استجابة أميركية، وإذا كان الخلاف التركي الأميركي على طبيعة الأهداف التي تشكل من أجلها هذا التحالف قد أسهم في هذا التوسع الداعشي في سوريا، فهذا يعني أن الحدود التركية مع سوريا لم يجر إغلاقها في وجه تدفق الرجال والإمكانيات المادية لدعم داعش.

اليوم، وبعد أن تمكن الجيش السوري الحر من إلحاق الهزيمة القاسية بالحملتين العسكريتين للقوى الداعمة لنظام الأسد (أو للقوى البديلة عن قوات الأسد بقيادة إيرانية ومشاركة الميليشيات العراقية واللبنانية والحرس الثوري الايراني)، في الجنوب السوري، (ريفي درعا والقنيطرة) وفي الشمال (ريف حلب)، تتردد الأخبار عن اتفاق تركي أميركي لتدريب بضعة آلاف من عناصر المعارضة السورية في تركيا على مدى ثلاث سنوات بدء من الشهر القادم. هذا الاتفاق الذي أعلن عنه المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية في 19 فبراير الجاري بعد اجتماع عقد في لندن بين وزيري الخارجية التركي والأميركي، وأكدته جهات أميركية في البنتاغون ووزارة الخارجية.

ورد في الاتفاق أن تدريب العناصر المعتدلة من المعارضة السورية يأتي في إطار محاربة داعش ليكون هؤلاء حاضرين لملء الفراغ الذي سوف يحدثه تراجع داعش عن مناطق سورية، حتى لا يستفيد النظام السوري من هذا الانسحاب. هل تكون العملية التركية التي التي نفذتها قوات تركية لإخلاء 40 عسكريا يحرسون ضريح سليمان شاه، جد مؤسس الدولة العثمانية مع الضريح ذاته، مقدمة لتوجه تركي تم الاتفاق عليه مع الأميركيين حيال داعش وضبط الحدود التركية مع سوريا؟ وبالتالي تحرير القرار التركي من وطأة وجود هؤلاء الجنود في منطقة سيطرة داعش؟

في كل الأحوال، فإن وجود معارضة سورية ومؤسستين سوريتين معارضتين في الخارج لم يقدم للثورة السورية وللشعب السوري إلا التعلق بالأوهام ومزيدا من الإحباط. واستمرت الثورة باللحم الحي والشعب السوري يكابد ويلات القتل والتشرد. فما الذي نتوقعه من تدريب بضعة آلاف من العناصر العسكرية على أيدي الأتراك والأميركان، وخصوصا أن هذا التدريب سيستمر لثلاث سنوات ما يعني أن الحرب التي تشن على الشعب السوري ستطول إلى أن يحين قطف الثمار التي يعد من أجلها هؤلاء المقاتلون “المعتدلون”، الثمار التي تنتظرها قوى الهيمنة إقليميا ودوليا. فهل سيتاح لها ذلك؟


كاتب لبناني

9