علل الإسلام السياسي: منع الاجتهاد وتقديس الشيخ والطمع في الدولة

الاثنين 2014/05/19
الإسلام السياسي حول وحدوية الإسلام إلى مجال موهوم للصراع

ساهم الحراك الشعبي في السنوات الأخيرة في تعرية واقع الشعوب المعنية بهذه التحولات وحقيقة تمثلها للسلطة والدولة والذات والآخر والعالم. وقد كشف هذا التمثل حقيقة التباس العلاقة بين الدين (الإسلام) والدولة، وهو الالتباس الممنهج الذي خلقته حركات الإسلام السياسي، مما دفع بالباحث محمد مسعد العربي إلى فتح ملف استشراف أفق الإسلام ومستقبله في ظل هذا الصراع، ليقدم دراسته لأفكار المفكر البريطاني (باكستاني الأصل) ضياء الدين ساردار في “مطارحة الإسلام والمستقبل”.

ينطلق الباحث محمد مسعد العربي في قراءته لبحوث ودراسات المفكر الباكستاني ضياء الدين ساردار من استحضار لمرحلة تاريخية شبيهة ـ نوعا ما ـ بالمرحلة التي نعيشها اليوم، وهي “فترة بداية النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين”.

وقد أكد الباحث المصري أن الفكر النهضوي الأول قد عمل على “إعادة تفسير التراث الديني وتأويله بما يتناسب مع الحداثة، من أجل طرح سبل أوضح لنهضة شعوب الإسلام. لكن الإسلام السياسي (حتى بالمعنى الذي هو عليه الآن لأن الظاهرة لم تتغير في مضمونها) عمل على إعادة استدعاء الماضي وتركيزه على لحظات تاريخية وتقديمه لنماذج يجب أن يُبنى عليها الواقع والمستقبل في اعتقاد الإسلام السياسي”.

ولكن تبقى ثنائية ساردار، حسب الكاتب المصري مسعد العربي، حذرة في قياسها، إذ لم يخل البحث في مستقبل الإسلام من اتخاذ موقف رآه ساردار نفسه عقلانيا في استشراف أفق الدين الإسلامي في المستقبل. إذ سعى أولا إلى نقد هيمنة الغرب ونزعته الاستعمارية، في الحين ذاته الذي انتقد فيه ماضوية الإسلاميين وترويجهم “للإسلام الجامد”. نقديّتان تمثلان “وجها لعملة واحدة”، يُمكن من خلالهما أن نقرأ مسار الإسلام في المستقبل بشكل سليم.


"عصرنة" الإسلام لا تعني "غربنته"


ينطلق ساردار، حسب تقديم الباحث محمد مسعد العربي، من فكرة ضرورة تحرير العلوم من هيمنة النمط الغربي عليها. إذ يرى ساردار أن مستقبل الإسلام يكمن فعلا في تناوله من خلال نموذج خاص بالمسلمين يمكنهم من فهم النص الإسلامي (القرآني) بعقلية وثقافة خاصة، للتمكن من الوصول إلى مقاصد الشريعة وجوهر الدين الإسلامي في حقيقته.

وجب إيجاد نموذج خاص لقراءة التراث الإسلامي بعقلانية وانفتاح بمعزل عن التوظيف السياسي

وينظر ساردار، إلى مستقبل الإسلام في ظل هيمنة الغرب وتطور صور سيطرته على العالم من حالة الاحتلال المباشر إلى حالة الاحتلال العولمي الثقافي، على أنه مستقبل مشوب بالتوتر والصراع وعدم الاستقرار، نظرا لتمكن الغرب من تحويل أصالة الإسلام ونقائه وقدرته التلقائية على التطور إلى أداة سياسية بيد مجموعات تابعة له (بشكل أو بآخر) تعتبر نفسها وصية عليه، لكنها في الواقع تمثل إحدى أدوات القوى الغربية للحفاظ على هيمنته وسيطرته الكونية المزعومة.

ويتنبأ الباحث البريطاني من أصول باكستانية، ضياء الدين ساردار، بمستقبل نقاط الارتكاز المتحولة في العالم. فيقول أن ثقل الغرب في كافة المجالات سوف يتحول تدريجيا نحو آسيا وأن “القرن القادم سيكون آسيويا بامتياز”، بالنظر إلى صعود القوة الهندية والصينية المشفوعة بآمال العديد من شعوب المنطقة، وهذا ما سيسمح بإيجاد أنموذج في المستقبل يمكن المسلمين من قراءة الإسلام بعيون مسلمة خالية من السياسة.


في نقد التراثية والأصولية


من منطلق احتواء الإسلام لقيمة التعددية والتنوع والاعتراف بالآخر وضرورة احترامه، يتناول ساردار نقده للتراث الإسلامي الذي صنعته الأصولية الموظفة للدين في مآرب سياسية محضة. وقد أعلن في بحوثه حول مستقبل الإسلام عن تفريقه المنهجي بين التراث الإسلامي النير، والذي يبرز قوة الإسلام بين الحركات الإسلامية السياسية التي وظفته لصالحها عبر التاريخ.

وقد أكد ساردرا أن المفهوم الأساسي الذي شكل رؤية الإسلام إلى العالم هو مفهوم “التوحيد” الذي حرر الإنسان من التبعية للعقل الغيبي “السلبي”، وجعل من كل البشر سواسية أمام الله دونما اعتبار للون أو العقيدة أو العرق، وأن كل فرد مسؤول عن أعماله وأنه سوف يحاسب وحيدا أمام الله دون وسيط “سياسي” ليحكمه ويسير أعماله.

ويعود الباحث في قراءته للتراث الإسلامي إلى ما يُسميه “بداية أزمة الحضارة الإسلامية” والتي أعادها ـ في جغرافيا التراث ـ إلى نقطة “إغلاق باب الاجتهاد الفكري والفقهي” وهو ما أدى فعلا إلى اشكالات عميقة في الفكر العربي والإسلامي أسماها ساردار بـ”الكوارث الميتافيزيقية الثلاث”.

وتتمثل هذه الكوارث في عدم القدرة على التمييز بين النص الديني الأصلي (القرآن) وبين الشريعة التي هي اجتهادات بشرية، وبالتالي مساواة الاجتهاد البشري القاصر بالنص القرآني الإلهي الكامل.

أما الكارثة الثانية (وهي نتيجة للأولى)، فإذا كانت النصوص التشريعية الفقهية “مقدسة” مثلها مثل النص القرآني، فإن الاجتهاد مرة أخرى وفي هذه الحالة يعد كفرا وتجاوزا للذي هو مقدس. وبالتالي تنحصر السلطة في رجال الفقه المذهبيين والطائفيين ولا مجال للناس في أن يمارسوا نقدهم أو تجديدهم أو حتى اجتهادا منهم في استنباط الأحكام والمشاركة في الجدل العام لقضايا الناس.

إغلاق باب الإجتهاد أدى فعلا إلى إشكالات في الفكر العربي والإسلامي

أما آخر هذه الكوارث الميتافيزيقية الثلاث فهي اختزال الإسلام بكل ثرائه وطاقته في “الدولة” وهي الفكرة المحورية التي يقوم عليها الإسلام السياسي (سيد قطب) التي تقوم بنفي الإسلام داخل ممرات المؤسسات والتشريعات والقضايا العامة التي تحتاج إلى قوانين مرنة للتطور، وتجرده (أي الإسلام) من بعده الشعبي الجماهيري الروحاني.


المستقبل طريق الخروج من المأزق


حاول ساردار في أكثر من عمل أن يطور منظورا عمليا لدراسة مستقبل الإسلام؛ حضارة وثقافة، من خلال إعادة تفعيل أسسه، ويقول في هذا المنظور الذي أطلق عليه اسم “المستقبليات الإسلامية”، أن “هدف المستقبليات الإسلامية وضع الطريق للخروج من المأزق الحالي وتطوير رؤى الإدارة وبدء التغيير ووضع الخطط البديلة المرغوبة من قبل كافة المسلمين”.

ويرتكز مشروع ضياء الدين ساردار في التحول إلى نقطتين رئيسيّتين، هما دراسة الأحوال المتردية للعالم الإسلامي الآن ودراسة أسباب تقدمه وانهياره من جهة، والإيمان بالفرص والتحديات التي تطلقها عملية العولمة المستمرة التي لا مناص منها ولا سبيل أمام مسلمي العالم سوى الانخراط فيها بإيجابية وثقة. فـ”التعددية والتنوع لا يعدّان جوهر الاستمرار في الطبيعة فحسب، بل هما أيضا حجرا الأساس للمجتمعات المستقرة والثقافات الحيوية”. فالثقافات الجامدة ليس لها مكان في المستقبل. وهذه الحيوية التي تحدث عنها ساردار، تقف في الجانب النقيض مع مقولات التنميط والأحادية والجمود الّتي تروّج لها حركات الإسلام السّياسي.

13