علماء أفريقيا يبحثون سبل الاعتدال في مواجهة التطرف

المجتمعات الأفريقية تقدم النموذج على المفاهيم الإسلامية الأصيلة من خلال العقد الاجتماعي القائم على التعايش والوئام.
الجمعة 2020/01/24
مساهمة موريتانية كبيرة في نشر التدين الوسطي

الأخطار الإرهابية التي تزايدت في العقدين الأخيرين، لم تستثن رقعة جغرافية من شظاياها، ما جعل العالم يستنفر جهوده من أجل محاربة الظاهرة. ولم تكن القارة الأفريقية بمعزل عن التحديات الإرهابية التي حتمت ضرورة استنفار الجهود من أجل محاربة الإرهاب والتطرف. وفي هذا الإطار افتتح في العاصمة الموريتانية نواكشوط، الثلاثاء، مؤتمر “دور الإسلام في أفريقيا: التسامح والاعتدال ضد التطرف والاقتتال”.

نواكشوط – انطلق في العاصمة الموريتانية مؤتمر للعلماء الأفارقة، سعى إلى التركيز على ضرورة انتهاج التسامح والاعتدال ونبذ التطرف والاقتتال. ونظم المؤتمر الذي يستمر لثلاثة أيام، تحت عنوان “دور الإسلام في أفريقيا: التسامح والاعتدال ضد التطرف والاقتتال”، “منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” ومقره الإمارات، بالتعاون مع الحكومة الموريتانية.

ويناقش المؤتمر السبل الكفيلة بالتعاون بين كبار علماء الدين الإسلامي في القارة الأفريقية، ويسعى إلى إصدار بيان علمي وإعلان تاريخي موحد يعبر عن موقف العلماء ورؤيتهم لذلك التحدي الذي يهدد وحدة الأمة ومصالحها الدينية والدنيوية. وحظي المؤتمر بمشاركة واسعة من كبار العلماء والمرجعيات في القارة الأفريقية، بالإضافة إلى شخصيات فكرية ومنظمات إسلامية دولية، وحضر افتتاحه الرئيس الموريتاني، محمد ولد الغزواني.

للمؤتمر أهمية بالغة خصوصا في ظل تواتر تقارير تشير إلى تحول أفريقيا إلى ملاذ جديد للتنظيمات الإرهابية، وفي سياق ما تشهده أقطار أفريقية كثيرة من توترات سياسية وأمنية وإرهابية.

وقال الرئيس الموريتاني في كلمته أمام المؤتمر إن “موريتانيا ظلت على مر العصور، ولا تزال، منطقة إشعاع علمي وتمازج ثقافي فريد تستقطب العلماء من كل الأقطار فيستوطنونها وينهلون من علوم مشايخها ومن هنا كان إسهامها الكبير في انتشار الدين الإسلامي السمح والعلوم الشرعية في أفريقيا”. وأشار إلى أن “الأمن والاستقرار يشكلان شرطا أساسيا في قيام العمران البشري وفي نموه وازدهاره، وقد شهد العالم في العقدين الأخيرين تناميا ملحوظا لجماعات تمجد العنف وتذكي نار الفتنة وتؤجج حيث حلت، الصراعات الطائفية والعرقية والمذهبية. وتعاظم في السنوات الأخيرة نشاط هذه الجماعات الإرهابية في قارتنا الأفريقية وعملت على زعزعة أمننا واستقرارنا”.

وأشار الغزواني إلى أن “موريتانيا واجهت بحزم هذه الجماعات معتمدة استراتيجيا شمولية ذات أبعاد عسكرية وتنموية وفكرية، ولا تزال تتصدى لهذه الجماعات، ضمن مجموعة دول الساحل الخمس”. وتابع “كان لعلمائنا وأئمتنا دور أساسي في مواجهة هذه الجماعات من خلال جهودهم الموفقة في رد من غرر بهم من أبنائنا إلى جادة الصواب، وفي تحصين شبابنا في وجه دعوات الغلو والتطرف والعنف”.

واختتم الغزواني كلمته مؤكدا أن “المسؤولية الملقاة على عواتق العلماء في سياق ترسيخ ثقافة التسامح والاعتدال جسيمة، وإننا على يقين بأن مخرجات مؤتمركم سيكون لها أثر متميز في تأصيل هذه القيم ونشرها وفي تفنيد دعوات الغلو والتفرقة”. وشهد اليوم الثاني للمؤتمر محاضرات ركزت على نشر قيم التسامح والاعتدال والوسطية، والتأصيل الشرعي والعلمي للمواجهة المطلوبة لفكر التطرف والغلو.

وأوضح الشيخ عبدالله بن بيه ( رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة)، أن موريتانيا بهويتها الإسلامية العربية الأفريقية لها عراقة في الدعوة وأصالة في نشر الإسلام الوسطي المعتدل، مشيرا إلى أنها لم تزل منذ عصر “المرابطون” مثابة لطلاب العلم ومأوى لمريدي الخير ومصدرا لبعثات الدعوة.

وأكد خلال محاضرة ألقاها في اليوم الثاني من المؤتمر ضرورة “الكشف عن الإخلال المنهجي كاجتزاء النصوص والإعراض عن الكليات وتغليب الجزئيات وفك الارتباط بين خطاب التكليف وخطاب الوضع وبين منظومة الأوامر والنواهي ومنظومة المصالح والمفاسد”.

ترسيخ ثقافة التسامح والاعتدال
ترسيخ ثقافة التسامح والاعتدال

ونبه إلى أن العلماء هم السد المنيع ضد هذا الخطر بالتوعية بقواطع الشريعة والتربية على قيمها المركزية، قيم السلام والمحبة والخير، لافتا إلى الحاجة الماسة إلى الشراكة بين الحكومات والعلماء والتفاهم بينهم وبين الشباب للوقوف في وجه هذه الأخطار والتحديات.

وخلص الشيخ عبدالله بن بيه إلى أهمية البحث عن السلام ووقف الاحتراب الذي أرهق الأوطان وأساء إلى الأديان، وأن تكون “دعوتنا دعوة واحدة لإحلال السلم محل الحرب والمحبة مكان الكراهية والوئام بدل الاختصام، وأن نبحث عن مسوّغات السلام بدلا من مبررات الفتن والحروب الجاهلية”.

واختتم بالقول إنّ الحديث عن قيم السلام والمحبة في القارة الأفريقية ليس بدعا من القول ولا بدعة من العمل، إذ لم تفتأ المجتمعات الأفريقية تقدّم النموذج الحي على الرواية الإسلامية الأصيلة من خلال عقدها الاجتماعي القائم على مبادئ التعايش والوئام، والمؤسس على التسامح والسماحة، عقد اجتماعي يحيل الاختلاف ائتلافا والتنوع تعاونا، ويرشح الحوار حلا للخلاف، والصلح علاجا للنزاع.

إلى ذلك لفت آدم جينغ، المستشار الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لمناهضة الإبادة الجماعية، إلى أهمية مثل هذه الملتقيات في توضيح حقيقة الإسلام وإظهار تسامحه ومناهضته لكل أشكال الغلو والعنف والتطرف والاقتتال وعدم المساواة وسفك الدماء أيا تكن مبرراته.

وتحدث عن أهمية رسالة الإسلام بالنسبة للأمم المتحدة والعالم أجمع، في حماية القيم الإنسانية وإشاعة التسامح وروح الأخوة والتعايش. وأشار إلى الأخطار التي تواجه منطقة الساحل، وأهمية أن يلعب الجميع دوره في وضع حد لها.

وحذر محمد مختار جمعة وزير الأوقاف المصري من الفوضى والهدم والإفساد والتخريب، وحض على فضائل البناء والتعمير والتنمية. وقال إنه لا أمن ولا بناء ولا تنمية من دون القضاء على الإرهاب والتطرف، مشددا على أن الإرهاب لا وطن له ولا دين، وسيكتوي بناره كل من دعمه وكل من نظّر له وكل من أسس له أو جامله.

ودعا إلى استئصال الإرهاب والتطرف والقضاء على أسبابه ومن يحتضنه ومن يتعاطف معه، منبها إلى أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة ونظامها وكيانها والتصدي لكل من يهدد ذلك.

ونوه اتييرنو حسن جالو وزير الشؤون الدينية في مالي بأهمية هذا المنتدى والجهود التي يبذلها منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة لجهة تحصينها إزاء أخطار الغلو والتطرف العنيف، عبر الاعتماد على الوقاية والتعريف بالرسالة المتسامحة للدين الإسلامي. وحذر من  الاقتتال والفتنة وما يقود إليهما، وشدد على أهمية التصدي لكل ما من شأنه أن يمهد لهما.

13