علماء الآثار يغادرون موقع رانية الأثري في شمال العراق

الجمعة 2017/10/06
السياسة تضيع مدينة الإسكندر الكبير

رانية (العراق) - يولي علماء الآثار اهتماما كبيرا بموقع رانية الأثري في شمال العراق، ولم تفارقه الفرق العاملة فيه رغم كل المخاطر التي أحدقت بالمنطقة في السنوات السابقة. أما اليوم فقد تُرك خاويا، بعدما غادره الأثريون خوفا من تبعات قرار بغداد حظر الرحلات الجوية إلى كردستان العراق.

يجول إسماعيل نورالدين البالغ من العمر 62 عاما في هذا الموقع الذي كان على ما يبدو معبدا قبل ألفي عام، ويقول “هنا عثرنا على تمثال للإسكندر الكبير”، مشيرا إلى الأرض بيده.

وقبل أسبوع، كان ضجيج الآلات وأصوات العلماء المتحمسين للعثور على كنوز تاريخية، يملأ المكان. أما اليوم فيسود فيه صمت الحجارة والصخور.

فبعد الاستفتاء الذي نظّم على استقلال كردستان في الخامس والعشرين من سبتمبر، حظرت الحكومة المركزية في بغداد الرحلات الدولية من هذا الإقليم وإليه.

وإثر ذلك، فضّل علماء الآثار الأجانب مغادرة الإقليم على وجه السرعة خوفا من أن يعلقوا فيه.

ويقول رزكار قادر بوسكيني وهو طالب في الآثار في الحادية والعشرين من العمر وعضو في فرق التنقيب في موقع مجاور “إنها المرة الأولى التي يغادر فيها باحثون أجانب، حتى مع اقتراب داعش لم يغادروا بل ظلّوا هنا”.

وجاءت هذه المستجدات السياسية في الوقت الذي كانت تستعد فيه الفرق لسبر أسرار تاريخية في هذه المنطقة الجبلية المحاذية لإيران.

وبانتظار أن تحدث تغيّرات إيجابية جديدة تعيد أفواج علماء الآثار إلى كردستان، يتولى إسماعيل نورالدين حراسة هذا الموقع في مدينته رانية.

مجموعة من علماء الآثار البريطانيين تمكنوا بمساعدة الطائرات المسيرة دون طيار من اكتشاف مدينة مفقودة يعود تاريخها إلى 2000 عام أسسها الإسكندر الأكبر في العراق

وهذا الرجل العصامي الذي تعلّم بنفسه، هو صاحب الفضل في اكتشاف موقع “قلعة دربند”، وهي مدينة قديمة ممتدة على ستين هكتارا، يرجّح أن تكون أنشئت قبل ألفين و300 سنة على يد الإسكندر المقدوني. ويقول نورالدين “في الربيع عثر على تمثالين لرجل وامرأة، واحد يشبه أفروديت إلهة الجمال عند اليونان والثاني ألكسندر الكبير”.

وفي القرن الثالث قبل الميلاد شهدت المنطقة الحدودية بين ما يشكل اليوم كردستان العراق وتركيا واحدة من أشهر معارك التاريخ القديم، تواجه فيها جيش الإسكندر مع جيش داريوس الثالث الذي مني بهزيمة قاسية.

وبدأت بعثة المتحف البريطاني عملها في خريف العام 2016، ومن المقرر أن تنتهي في العام 2020، ويؤمل أن تخرج بإجابات حول تاريخ هذه المنطقة الواقعة على تقاطع طرق الحضارات القديمة.

وكشفت صحيفة التايمز البريطانية في تقرير لها أن مجموعة من علماء الآثار البريطانيين تمكنوا بمساعدة الطائرات المسيرة دون طيار من اكتشاف مدينة مفقودة يعود تاريخها إلى 2000 عام أسسها الإسكندر الأكبر في العراق.

وذكر التقرير أن “المدينة تقع في منطقة قلعة دربند في شمال العراق وكانت تشتهر بتجارة النبيذ لم تسجل تاريخيا إلا عند اكتشاف آثارها من قبل علماء الآثار التابعين للمتحف البريطاني بمساعدة الطائرات دون طيار”.

وأضاف أن “العلماء عثروا على المدينة المفقودة بينما كانوا يقومون بعمليات مسح لصور القمر الاصطناعي الذي يطلق عليه تسمية (الجاسوس)، والتي التقطتها الحكومة الأميركية منذ الستينات لأغراض عسكرية ولم يعلن عنها إلا عام 1996”.

وتابع أن “عمليات التنقيب الأثرية لم تكن واردة أيام حكم صدام حسين واستمرت الأوضاع على ما هي عليه بعد الغزو عام 2003، لكن تحسن الأوضاع الأمنية دفع المتحف البريطاني لاستكشاف الموقع كوسيلة لتدريب العراقيين الذين سيطلب منهم ترميم المواقع التي تضررت من قبل عصابات داعش الإرهابية”.

ومن جانبه، قال عالم الآثار المسؤول عن برنامج التدريب جون ماغنيس إن “المتدربين ساعدوا على إظهار المدينة والتي من المرجح أن يعود تاريخها إلى القرنين الأول أو الثاني قبل الميلاد”.

وأضاف أن “المدينة بنيت على الطريق الذي كان يسلكه الإسكندر المقدوني عام 331 قبل الميلاد حينما كان يتعقب جيش الإمبراطور الفارسي داريوس الثالث، والذي هزم أمام الإسكندر في معركة ‘غوغاميلا'”.

وواصل أن “تماثيل الآلهة اليونانية الرومانية التي عثر عليها في المدينة المفقودة وبلاط القرميد المسمى ‘تراكوتا’ تظهر أن هناك تأثيرا يونانيا قويا، مما يشير إلى أن سكانها الأوائل كانوا تابعين للإسكندر وأسلافهم”.

تماثيل الآلهة اليونانية الرومانية التي عثر عليها في المدينة المفقودة وبلاط القرميد المسمى ‘تراكوتا’ تظهر أن هناك تأثيرا يونانيا قويا

وأشار التقرير إلى أن “الفريق الآثاري قد أكد موقع المدينة المدفونة عن طريق كاميرات الطائرات المسيرة دون طيار، وعند معالجة الصور لكشف التباينات في الألوان وجد الفريق الخطوط العريضة للبنايات المستطيلة الكبيرة مخبأة تحت حقول القمح والشعير”.

ومن جانبه، قال الدكتور ماكجينيس من فريق البحث إن “الطائرات المسيرة قدمت خدمة كبيرة ومعلومات ممتازة وحصلنا على تغطية لجميع أقسام الموقع، كما أن العلامات في المحاصيل لم تكن قد قام بها أحد في تاريخ حضارة بلاد ما بين النهرين”.

وأضاف “لقد نشأت المدينة في أيام مبكرة من تاريخ البشرية، لكننا نعتقد أنها كانت مدينة مزدحمة على طريق من العراق إلى إيران ويمكنك أن تتخيل الناس يقومون بتزويد النبيذ للجنود الذين يمرون”.

وأشار إلى أن “الأدلة الأكثر سلامة التي عثر عليها في المدينة هي زوج من التماثيل يصور إحدى الشخصيات النسائية التي قد تكون بيرسيفوني، الإلهة اليونانية للنباتات وزوجة هادس إله العالم السفلي.

والآخر هو تمثال عاري يمكن أن يكون لأدونيس رمز الخصوبة في الديانة الوثنية”. ويتطلّب الأمر سنوات عدة قبل أن يثبت المتحف البريطاني، المسؤول عن أعمال التنقيب، نسبة الآثار التي تم العثور عليها إلى الإسكندر، لكن هذا الموقع المجاور لبحيرة يشكّل في كل الأحوال اكتشافا كبيرا بحسب علماء الآثار.

وتقول جيسيكا جيرو مديرة البعثة الفرنسية العاملة في الموقع “إنها مدينة إستراتيجية، ربما كانت عاصمة إقليمية تقع على الطرقات التي تصل العالم ببعضه من بلاد ما بين النهرين وبلاد فارس إلى اليونان القديمة”.

ولم يتطلّب الأمر وقتا طويلا قبل أن تدرك جيرو، فيما كانت برفقة نورالدين في العام 2013، أن الموقع ذو أهمية كبيرة، بسوره الذي يطل على النهر وصولا إلى الجبال المجاورة حيث عثر أيضا على آثار أخرى.

وسهّلت صور التقطتها أقمار اصطناعية للتجسس تابعة لوكالة الاستخبارات الأميركية أعمال التنقيب في المنطقة.

وأظهرت هذه الصور التي التقطت في فبراير من العام 1967 آثارا للسور وطرقات قديمة وما يبدو أنه قلعة ومعبد.

وتقول جيرو “الآن نستخدم هذه الصور في كل أعمالنا، بفضل هذه الصور ازدادت سرعة أعمال التنقيب خمسة أضعاف ووتيرة اكتشاف المواقع الأثرية ستة أضعاف”.

وتمكّنت البعثة الأثرية المشتركة بين فرنسا والعراق من تحديد 354 موقعا أثريا في المنطقة. ويفسّر برزان إسماعيل مدير جهاز الآثار هذا الاكتظاظ بأربعة عوامل.

ويقول “هناك كهوف كثيرة كانت تتيح للإنسان في القِدم أن يستخدمها كمخابئ، وهناك عامل آخر هو خصوبة الأراضي والغنى بالماء، إضافة إلى كون المنطقة واقعة بين الشرق والغرب”.

لكن الموقع الآن يخلو من أي حركة، سوى من إسماعيل ورزكار يجلسان مع صياد يشرب الشاي في ظل شاحنته.

ويقول رزكار “في حال استمرّ تعليق الرحلات الجوية، أخشى أن يؤثر ذلك على عملنا”.

20