علماء النفس يحذرون: نصف التونسيين معرضون للاكتئاب

الارتفاع المتزايد في حالات الانتحار يشمل كل الأعمار من التونسيين.
الثلاثاء 2019/07/23
مؤشرات الضغط النفسي في ارتفاع كبير بتونس في الآونة الأخيرة

خلقت ثورة 14 يناير 2011 حالة من عدم الاستقرار لدى التونسيين جعلتهم غير قادرين على التأقلم مع المتغيرات التي أفرزتها. وكنتيجة لانهيار منظومتي الصحة والتعليم وتراجع أداء الصناديق الاجتماعية وارتفاع منسوب الجريمة وغلاء الأسعار وتدهور قيمة العملة المحلية (الدينار)، أصبح التونسيون مسكونين بالقلق والتوتر والاكتئاب وفقدوا تدريجيا شعورهم بحماية الدولة لمّا أحسّوا أنها في خطر بعد أن كانت بعيدة عن الهزات.

تونس - كشفت مؤسسة “وان تو وان” المتخصصة في سبر الآراء “البارومتر العربي” في دورتها الخامسة ارتفاع معدلات التوتر والقلق لدى التونسيين واعتبرتها الأكبر ضمن بلدان العالم العربي.

وخلص سبر الآراء الذي اعتمد عينة من المستجوبين لا تقل أعمارهم عن 18 سنة إلى أن 53 بالمئة من التونسيين يعانون من القلق و40 بالمئة يعانون من الاكتئاب، مؤكدا أنها النسب الأرفع مقارنة بالجزائر والمغرب وليبيا ومصر والسودان والأردن والعراق وفلسطين ولبنان واليمن.

كما أشار “البارومتر العربي” إلى أن الوضع الاقتصادي في تونس يعتبر التحدي الأكبر الذي تواجهه البلاد حسب 48 بالمئة من المستجوبين،لافتا إلى أن 33 بالمئة من التونسيين يرغبون في مغادرة بلدهم لأسباب اقتصادية بدرجة أولى.

وحسب معطيات كشفتها وفاء بن عاسي، أخصائية علم النفس، لـ”العرب”، حيث تقول إن “ثلث التونسيين مصابون بالقلق والتوتر نتيجة لتردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي صاحبت ثورة 2011”.

وأكدت بن عاسي أيضا ازدياد معدلات حالات الانتحار وارتفاع النسبة إلى 4 أضعاف منذ عام 2011. وأوضحت “الأرقام مفزعة، أصبحنا نتذيل قائمة الدول العربية على مستوى حالات الاكتئاب، متقدمين في ذلك حتى على سوريا واليمن”.

وفي تقرير جديد صادر عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بلغ عدد حالات الانتحار ومحاولة الانتحار المسجلة خلال السداسي الأول من سنة 2019 في تونس حوالي 146 حالة، 70 بالمئة منها لدى الذكور و30 بالمئة لدى الإناث.

ويعتبر الذكور من أكثر الفئات عرضة للانتحار خصوصا بالنسبة للشريحة العمرية بين 26 و35 سنة، تليها الفئة العمرية من 36 إلى 45 سنة ثم الفئة العمرية الأقل من 15 سنة.

عدد حالات الانتحار ومحاولة الانتحار المسجلة خلال السداسي الأول من سنة 2019 في تونس بلغ حوالي 146 حالة

وعزا التقرير تعدد أسباب الانتحار أو محاولة الانتحار إلى هشاشة الوضعية المهنية والبطالة والمشاكل الأسرية والضغوط والعنف الأسري المسلط على الأطفال وحالات الاغتصاب أيضا.

وتحتل محافظة القيروان في الوسط المرتبة الأولى في حالات الانتحار ومحاولة الانتحار بـ29 حالة تليها محافظة قفصة في الجنوب بـ14 حالة ثم محافظتا تونس وسليانة بـ10 حالات.

كما كشفت دراسة لمنظمة الصحة العالمية حول الأمراض النفسية في القارة الأفريقية، والتي تصدرت فيها تونس المرتبة الثالثة أفريقيا، أن 518 ألف تونسي يعانون من الاكتئاب، بعد كل من جيبوتي وجمهورية الرأس الأخضر.

كما أظهرت نتائج البارومتر السياسي لشهر أيلول من العام 2018 لمؤسسة أمرود كونسلتينغ ارتفاع نسبة التشاؤم لدى التونسيين، لتصل إلى 42.3 بالمئة مقابل 32.2 بالمئة في يوليو من نفس العام.

ورأى 70.5 بالمئة من المستجوبين أن الأوضاع الاقتصادية بتونس بصفة عامة بصدد التدهور وهي أعلى نسبة مسجلة منذ أبريل 2015.

وفي تصريح لـ”العرب” قال الرئيس الحالي للجمعية التونسية للأطباء النفسانيين (غير حكومية) سفيان الزريبي إن التونسيين يعيشون ضغط الحياة العصرية وما تحتويه من متغيرات تسبب القلق بنوعيه الإيجابي والسلبي.

 وعرف الزريبي القلق بأنه الجهد المبذول من طرف الشخص جسديا وفكريا للتأقلم مع المتغيرات التي تعترضه. وأضاف أن التونسي كان يعيش نوعا من الرفاهية في الفترة التي سبقت ثورة 14 يناير 2011، حيث كانت الدولة حامية للمواطن وبعيدة عن التداخل الاقتصادي والاجتماعي وعن الهزات التي شهدتها مختلف دول العالم.

وأشار إلى أن التونسي فقد هذه الحماية بعد الثورة عندما أحس أن الدولة أصبحت في خطر.

وأكد رئيس الجمعية التونسية للأطباء النفسانيين أن تواتر الحكومات وغياب رؤية مستقبلية واضحة لقيادة البلاد وهشاشة الأوضاع الاجتماعية وغياب الأمن الداخلي وتواتر العمليات الإرهابية، إضافة إلى السرقة والاغتصاب والسطو على الممتلكات جعلت عددا من المواطنين خاصة الذين يعيشون في الأحياء الشعبية في قلق مستمر.

كما أن تراجع أداء المنظومتين التعليمية والصحية وتقهقر الصناديق الاجتماعية الثلاثة (صندوق التقاعد والحيطة الاجتماعية، صندوق الضمان الاجتماعي، الصندوق الوطني للتأمين على الأمراض)، إضافة إلى انسداد سوق الشغل جعلت كلها منسوب الأمان لدى التونسي يتراجع، فغادر البلاد كل من لديه القدرة على ذلك بطريقة شرعية، والتي تعرف خاصة بظاهرة هجرة الكفاءات، بينما التجأ آخرون إلى الهجرة غير الشرعية أو ما يعرف بـ”الحرقة” على حد تعبير الزريبي.

بدورها اعتبرت الطبيبة المتخصصة، نائلة بن صالح، أن البلاتوهات السياسية بوسائل الإعلام تعد من بين العوامل التي تؤدي إلى أمراض الضغط النفسي (ستراس)، بحسب شهادات المرضى.

ازدياد معدلات حالات الانتحار وارتفاع النسبة إلى 4 أضعاف منذ عام 2011.
ازدياد معدلات حالات الانتحار وارتفاع النسبة إلى 4 أضعاف منذ عام 2011

ولاحظت أنه عادة ما يتم تسجيل الضغوطات النفسية إثر حدوث تحولات مهمة مثلما حصل في تونس مباشرة بعد الثورة.

وقالت إن مؤشرات الضغط النفسي في ارتفاع كبير في تونس في الآونة الأخيرة، مرجعة ذلك إلى عوامل تتمثل في الضغط المادي ومتابعة البلاتوهات السياسية على التلفزيون والتوتر بين السياسيين، مما يؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على صحة التونسيين النفسية.

وفي إقبال غير مسبوق للتونسيين على الأقراص المهدئة ومضادات الاكتئاب بلغ ذروته في الآونة الأخيرة، أشار المختصون إلى أن 90 بالمئة من التونسيين يعانون ضغوطات نفسية نتيجة التحولات الكثيرة وعدم الاستقرار.

وبعد أن كان استهلاك هذه النوعية من الأدوية والمنشطات والإقبال على الأخصائيين النفسيين محتشما جدا، يؤكد محمد العربي النهدي الاختصاصي في الأمراض النفسية والأعصاب أن إقبال التونسي على الطب النفسي تكثّف بعد الثورة وأن الاكتئاب والتوتر هما أبرز الحالات.

ويضيف النهدي أن أكثر الفئات التي تتعرض لمثل هذه الأعراض هم أصحاب الأعمال الحرة والفئات الاجتماعية الهشة.

وفي نفس السياق يفيد عماد الرقيق، الاختصاصي في الأمراض النفسية والعصبية، بأن غياب الهدوء والرؤية المستقبلية وتفشي حالات الإحباط عند كثيرين هي أسباب مباشرة تؤدي إلى الاكتئاب. وأكثر الشخصيات التي تتعرض لمثل هذه الأعراض هي الشخصيات التي لها تخوف من حاضرها ومستقبلها، وإذا لم تعالج هذه الحالات قد تصبح أمراضا مزمنة.

ويذهب الرقيق إلى أن أعراض الاكتئاب والتوتر قد تصل إلى 90 بالمئة بين التونسيين وليس بمفاجأة أن يبلغ عدد المنتحرين 44 حالة خلال شهرين فقط.

ويفسر الرقيق أن الأعراض النفسية كثيرة، كالقلق وقلة النوم والاكتئاب الكامل والمتوسط وضيق الصدر، مشيرا إلى أن هذه الحالات ليس لها حلول سوى استشارة الأطباء النفسيين والمختصين في الأعصاب.

وأكدت دراسة كانت أعدتها المنظمة العالمية للصحة سنة 2005 ارتفاع أعداد المصابين باضطرابات نفسية في تونس من يوم إلى آخر وفق ما أفادت به ريم غشام الرئيسة السابقة للجمعية التونسية للطب النفسي وهي غير حكومية.

17