علماء النفس يقولون أن الصيف عدو الإبداع.. والأدباء لا يوافقون

تدني دافع الإبداع في الصيف يعود إلى تأثير الحرارة على العقل والمزاج، والعلم أثبت أن الجو الحار يرتبط ارتباطا مباشرا باضطراب الحالة العقلية.
الأربعاء 2019/07/03
شمس الصيف الحارقة تبدد الإبداع (لوحة لبيكاسو)

الإبداع ليس فعلا منفصلا عن الواقع بكل جزئياته وتفاصيله، فالبيئة والطقس مثلا لهما التأثير الكبير على كل مبدع، وخاصة الكتاب. نجد مثلا الكثير من الكتاب يتذمرون من فصل الصيف معتبرين إياه غير مناسب للكتابة والإبداع، فيما هناك آخرون يرون أنه فصل مناسب للكتابة. تختلف آراء الكتاب على اختلاف أمزجتهم والصيف الذي يعيشونه لكن رأي العلم مفصلي في هذه الوضعية لإقرار إن كان الصيف فصل كتابة وإبداع أو لا.

  القاهرة – أدرك الإنسان منذ القدم العلاقة بين حالته المزاجية والتغيرات الناجمة عن اختلاف فصول السنة، فربط بين حرارة الصيف وبرد الشتاء وبين الانفعالات النفسية الحادة، وكان عميد الرواية العربية نجيب محفوظ لا يفضل الكتابة في الصيف، مؤثرا الجلوس في المقاهي مع الأصدقاء أو شلة الحرافيش خصوصا في الصيف، فقد كان يرى ذلك الفصل غير مناسب للكتابة، فكان يخصص وقته صيفا للتأمل في رواياته التي سيكتبها خلال الخريف أو الشتاء.

أما الكاتبة التشيلية إيزابيل اللندي فقد اعتادت أن تبدأ كتابة رواياتها في الثامن من شهر يناير، أي أنها تعكف في أشهر الشتاء على العمل طوال عشر ساعات يوميا حتى تنتهي من إنجاز روايتها، وتتفرغ قي أشهر الصيف للسفر والقيام بحفلات توقيع في أماكن مختلفة.

في المقابل، نجد أن الكاتبة البريطانية دوريس ليسينج من الكتاب الذين يحبون الصيف ويفضلونه للكتابة، وربما السبب في ذلك ندرة أيامه في عاصمة الضباب، فمن الطبيعي أن تبحث الكاتبة عن أشعة الشمس التي تظهر بخجل في المملكة المتحدة.

البحر أولا

ارتفاع درجة الحرارة قد يدفع الناس إلى الكسل والاستجمام، والمبدع شأنه في ذلك شأن كل البشر فقد يبحث عن متعته الخاصة كسائر الناس مفضلا الاستجمام والاسترخاء، لكنه قد يدخر شهور الصيف لإنجاز ما تم تأجيله من كتابات.

يقول الروائي عزت القمحاوي عن الصيف “إنه يتحول بعد أيام قلائل إلى روتين ممل، فأقصى مدة يستطيع قضاءها في المصيف هي ثلاثة أيام والتي غالبا ما تكون في الإسماعيلية؛ حيث عائلته، فلديه هناك منزل ريفي يوفر له حالة من العزلة تمكنه من الكتابة، فالعزلة عنده أهم شيء تتطلبه الكتابة”.

ومثله الروائية سحر الموجي، التي ترى أن أجمل ما في الصيف هو عدم ذهابها إلى الجامعة، مما يتيح لها وقتا لكتابة مقالات. أما الكتابة الإبداعية فلا تستطيعها في الصيف، وتضيف “حبي للبحر انعكس على روايتي ‘نون‘ حيث كان المحيط جزءا أساسيا فيها. ومدة المصيف في الغالب تكون أياما قصيرة، وأفضل ما فيها أنها تكون بعيدة عن زحمة القاهرة”.

أما الكاتبة والناقدة لنا عبدالرحمن، فترى في أشهر الصيف وقتا مناسبا للقراءة أكثر من الكتابة، حيث تقول “أقرأ كثيرا خلال أشهر الصيف وهذه العادة لازمتني من سنوات الدراسة، فقد كنت أخصص الصيف للقراءة، صحيح أن القراءة لا تتوقف على مدار العام، لكن في الصيف يكون حضورها أكثر..

ارتفاع درجة الحرارة قد يدفع الناس إلى الكسل والاستجمام والمبدع ككل البشر قد يبحث عن متعته الخاصة

أما في حال كنت قد بدأت بكتابة عمل إبداعي ولم أنته منه مع قدوم الصيف فأحرص على الاستمرار في الكتابة وعدم الانقطاع عنه، لكني في الغالب أفضل الانتهاء منه قبل قدوم شهر يونيو، وتكون الاستفادة من أشهر الصيف في السفر الذي قد يطول لأكثر من شهر، والقراءات المتنوعة ومشاهدة الأفلام المؤجلة، والقيام بأنشطة رياضية مثل ممارسة هواية السباحة”.

وتتفق مع هذا الرأي الكاتبة انتصار عبدالمنعم، قائلة “إن فصل الصيف يناسب القراءة وليس الكتابة، فالحر يأتي غازيا مستفزا لأفكار جديدة تماما كما يستفز الغدد العرقية، كما أن صيف الإسكندرية المليء بالضجيج يدفع إلى تأجيل أغلب مشاريع الكتابة، المؤجلة طوال العام بسبب ضغط العمل ومشاغل الحياة، فما بين جلبة المصطافين، وموج البحر الذي ينادي في اشتهاء دائم، يمضي اليوم تلو الآخر دون كتابة، ولا شيء أفعله سوى تأمل الطبيعة والبحر ونوارسه، التي تتواطأ معه كي تصرف الأنظار بعيدا عن ورق الكتابة. وأكتشف أن لا وقت للكتابة في الصيف، الصيف للقراءة، قراءة الطبيعة وقراءة تلال الكتب التي جمعتها طيلة عام مضى”.

أما القاصة العراقية سولاف هلال فلها وجهة نظر مختلفة، تقول “لا أفضل الصيف وتزعجني كثيرا الحرارة المرتفعة، لكن ذلك ليست له علاقة بالإبداع بالنسبة لي، حين تأتيني فكرة للكتابة أعكف عليها لإنجازها بغض النظر عن الزمن إن كان صيفا أو شتاء، وبالنسبة لي أرى أن كل فصول السنة تصلح للكتابة بشرط توفر الوقت والأفكار، وإرادة المبدع لإنجاز عمله”.

العلم يفسر

يشير الدكتور معتز عبيد أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس إلى أن العلم الحديث يؤكد وجود علاقة بين حالة النفس وسلوك الإنسان، والتغييرات الجوية التي تؤدي إلى تأثيرات كهربائية ومغناطيسية كونية يتفاعل معها عقل الإنسان وجهازه العصبي.

 وفي رأيه تكون المحصلة النهائية لذلك تغييرات بيولوجية في الجسم مع حرارة الصيف وبرد الشتاء، وتغييرات نفسية في عقل الإنسان قد تظهر في صورة اعتدال أو اضطراب في المزاج وتوتر أو استرخاء في الانفعال والسلوك.

كما تشير الإحصائيات حول أعداد المرضى النفسيين المترددين على العيادات والمصحات النفسية في مختلف أنحاء العالم، إلى الارتباط الوثيق بين فصول السنة المختلفة وزيادة أعداد الحالات، وتؤكد الأرقام أن شهور السنة التي تزيد فيها نسبة الرطوبة وترتفع درجة الحرارة، تشهد ارتفاعا في معدلات الاضطرابات النفسية.

ويضيف عبيد “قد ثبت علميا أن الجو الحار يرتبط ارتباطا مباشرا باضطراب الحالة العقلية، فالشخص العادي يصبح أكثر قابلية للتوتر، وتسهل استثارته إذا كان موجودا في طقس حار مشبّع بالرطوبة، والكثير من الناس يفقدون السيطرة على انفعالاتهم نتيجة لذلك”.

ويشير إلى دراسات أجراها عالما النفس الأميركيان بوران وريتشاردسون تبين تأثير الحرارة على المزاج ومن ثم على الأفكار والسلوك مؤدية إلى اضطراب المزاج والشعور بعدم الارتياح، وبالتالي صعوبة التحمل، وقلة التركيز مما يؤدي إلى زيادة حدة المزاج والاندفاعية والعصبية الفائضة، ومن ثم العنف لأي مثير حتى لو كان بسيطا، وذلك يفسر تدني الدافعية للإبداع عند الكثير من المبدعين في الصيف إلا إذا أفلحوا في تجنب التأثيرات السلبية بالذهاب إلى الشواطئ أو سكنى المنتجعات.

15