علماء سيرن يستعدون لتشغيل محرك "الانفجار الكبير"

الثلاثاء 2015/04/07
تشغيل مصادم الهدرونات يشكل محاولة أخرى لفك بعض ألغاز نشأة الكون قبل 13،8 مليار عام

زوريخ - بعد إغلاق الجهاز لمدة عامين من أجل تطويره، أعاد علماء مركز بحوث الفيزياء الجزيئية، بالمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية، تشغيل مصادم الهدرونات الكبير المحاكي “للانفجار الكبير” في محاولة جديدة لحل بعض ألغاز نشأة الكون.

كشف علماء مركز بحوث الفيزياء، بالمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) الأحد، أنّ حزمتين من الجسيمات انطلقتا بنجاح حول مصادم الهدرونات الكبير في اتجاهين متقابلين بعد إغلاق المصادم، على مدى عامين، ضمن عملية إعادة تأهيل وصفت بأنها مهمّة بطولية، لا سيّما أنّها ضاعفت من سرعته حتى يتمكن من اقتحام المجهول والبحث عما يعرف باسم المادة المعتّمة.

وقال البروفيسور رولف هوير، مدير عام سيرن وعالم الجزيئات الفيزيائية، للباحثين والمهندسين العاملين معه ممّن بدت عليهم السعادة “من المدهش أن نرى أن العمل يسير على ما يرام بعد عامين، وبعد هذه الإصلاحات الرئيسية”.

وستجري عملية التصادم بين حزمتي جسيمات من البروتونات تسيران في اتجاهين متقابلين وفي مسار بيضاوي داخل نفق طول محيطه 27 كيلومترا وبكم طاقة هائل وسرعات تقترب من سرعة الضوء، لمحاكاة الظروف التي أعقبت الانفجار العظيم الذي نشأ عنه الكون.

ومع ذلك، لن تبدأ عملية تصادم الجسيمات إلا بعد شهرين -وهي نسخة مصغّرة من الانفجار العظيم الذي حدث في قديم الأزل قبل 13.8 مليار عام- وسيمر بعد ذلك عام على الأقل قبل توقّع أيّ نتائج.

وكانت دراسة مليارات من عمليات تصادم الجسيمات في المرحلة الأولى من تشغيل المصادم بين عامي 2010 و2013 قد برهنت عام 2012 على وجود جسيم بوزون هيجز، وهو أحد الجسيمات تحت الذرية الذي يعدّ من اللبنات الأساسية لنشأة الكون، وظلّ العلماء يحلمون به طويلا، وهو جسيم افتراضي قال عالم الفيزياء الاسكتلندي بيتر هيجز قبل ثلاثة عقود من الزمن، إنّه يساعد على التحام المكوّنات الأولية للمادة ويعطيها تماسكها وكتلتها.

رولف هوير: من المدهش أن نرى أن العمل يسير على ما يرام بعد عامين من الإصلاحات

وتتركّز الآمال بعد إعادة تشغيل المصادم على حلّ شفرة نظرية النموذج المعياري التي وضعت قبل 40 عاما، وتُفسر حركة الكون على مستوى الجسيمات الأولية حتى يتسنى للعلماء دخول عالم “الفيزياء الحديثة”.

ومن بين مفاهيم نظرية النموذج المعياري المادة المعتمة الغامضة التي تمثل 96 بالمئة من مادّة الكون، وهو تعبير أطلق على مادة افتراضية لا يمكن قياسها إلا من خلال تأثيرات الجاذبية الخاصة بها وبدونها لا تستقيم حسابيا العديد من نماذج تفسير الانفجار العظيم وحركة المجرّات.

ومن النظريات الأخرى نظرية التناظر الفائق التي تتنبأ بأنه مقابل كل جسيم معروف يوجد جسيم آخر غير مرئي أكبر منه يسمى الشريك الفائق وهو في صورة مادة خفية. وقال أوليفر بوخمولر، أحد العلماء المسؤولين عن الأجهزة التي تسجل كل تصادم على حدة، “إذا كان لي أن أراهن عما سنجده فإنني أرشّح نظرية التناظر الفائق، لكن قد نجد أيضا شيئا غير متوقع مختلفا تمام الاختلاف”، لكن علماء سيرن سينتقلون تدريجيا نحو استخدام كامل الطاقة المتاحة الآن في مصادم الهدرونات، واضعين في اعتبارهم حدوث تسرّب لغاز الهليوم عام 2008 الذي اضطر العاملين إلى إيقاف تشغيل المصادم عامين، علاوة على حدوث عطل كهربائي أرجأ استئناف العمل أسبوعين بعد أن كان مقرّرا أصلا الشهر الماضي.

وخلال السنوات الثلاث الأولى من تشغيله كانت طاقة التصادم تبلغ 7 تريليون إلكترون فولت. وإلكترون فولت هي وحدة قياس طاقة الإشعاع في مجال الفيزياء النووية، وهو عبارة عن كمية الطاقة الحركية التي يكتسبها أو يفقدها إلكترون وحيد حر الحركة وسط فرق جهد كهربي مقداره واحد فولت في الفراغ.

وأضاف بوخمولر أنّ الجسيمات ستسير في مصادم الهدرونات الكبير بسرعة 13 تريليون إلكترون فولت لتنتج بيانات تزيد بواقع 10 مرات عما سبق، مشيرا إلى احتمال بدء هذه الأنشطة في أواخر مايو المقبل.

وتنبأت نظرية النموذج المعياري بجسيم بوزون هيجز، وهي التي تم تصميمها قبل ثلاثة عقود من الزمن وطرأت عليها تعديلات في الستينات والسبعينات من القرن الماضي وتقوم على الدمج بين ثلاث من القوى الأساسية في الطبيعة وهي القوة النووية الشديدة والقوة النووية الضعيفة والقوة الكهرومغناطيسية، مع الاستعانة بنظرية الكم والنظرية النسبية الخاصة لأينشتاين بغية صياغة نظرية متكاملة لسبر أغوار الكون، إلا أنّ نظرية النموذج المعياري لا يمكنها تفسير العديد من الظواهر منها طبيعة الجاذبية.

وتشير أحدث الأبحاث التي جرت بالاستعانة بمعدات في الفضاء الخارجي إلى أن الطاقة المعتمة تمثل 68 بالمئة من كتلة الكون، فيما تمثل المادة المعتمة 27 بالمئة، وتشكل المجرات المرئية والنجوم والكواكب الجزء الضئيل المتبقي.

20