علمانية ماليزية ناقصة مع بيروقراطية إسلامية صاعدة

التشدد الديني والإسلام السياسي في ماليزيا يتغوّلان، ويفتكّان مواقع في مؤسسات الدولة التي تطرح التساؤلات حول هويتها وتوجهاتها، ممّا يثير تناقضات واضحة، فالدستور الماليزي صيغ باعتباره دستوراً علمانياً، لكنه راعى الأبعاد الثقافية والدينية للمجتمع الإسلامي، فهو يربط بين العرق والدين ربطا لا انفصام له، إذ لا يعتبر المرء “ملايوياً” إلا إذا كان مسلماً، وإذا ارتدّ عن الإسلام لا يعتبر “ملايوياً”.
الأربعاء 2016/08/10
مستقبل ماليزيا مهدد بالتشدد الديني

كوالالمبور - البيروقراطيات الدينية الوحيدة في ماليزيا هي البيروقراطيات الإسلامية، ويسيطر عليها الملايويون، وقد اتسمت التعديلات الدستورية بالتناقض والضبابية بين علمانية الدولة من جهة، وبين إسلاميتها من جهة أخرى، ممّا يظهر الطبيعة المحيّرة للنظام القانوني الماليزي.

ولإضافة المزيد إلى المأزق القانوني، فإن المادّة (11) فقرة (1) تضمن لكل شخص ممارسة دينه، لكن من الواضح أن هذا الحقّ الدستوري غير متّبع، فقد أظهرت قضية لينا جوي التي تحولت من الإسلام إلى المسيحية عدم تطبيق هذا الحقّ الدستوري. كما أن معاملة الشيعة في ماليزيا ووسمهم بأنهم منحرفون مثال آخر على كيفية التفاف البيروقراطية الدينية على الحقوق الدستورية.

قبل سنة 1968، كانت توجد في محافظات الملايو مجالس لتنسيق الشؤون الإسلامية والإشراف عليها. وكانت هذه المجالس فردية لا تتدخّل في الحكومة الاتحادية إلا قليلاً. وكانت توجد في المحافظات محاكم شرعية تصدر أحكاماً قضائية، غير أن تونكو عبدالرحمن (أول رئيس للوزراء في ماليزيا) غيّر ذلك عندما شكل المجلس الوطني الماليزي للشؤون القانونية سنة 1968. وكانت هذه الخطوة ترمي إلى إضفاء المركزية على إدارة الشؤون الإسلامية في ماليزيا.

سعت حركات الانبعاث بقيادة أنور إبراهيم إلى أسلمة النظام من داخل الحكومة. فانضمّ عدد من الناشطين الحداثيين الرئيسين إلى الحكومة. وكان ضمّ المنظمة الوطنية الملايوية المتحدة للحركة الحداثية يهدف إلى إضعاف المعارضة، بالإضافة إلى تعزيز شرعيتها في أعين المسلمين الملايويين.

ومن نتائج هذا الانضمام تعزيز سلطات البيروقراطيات الدينية التي منحت قدراً متزايداً من السلطة والصلاحية. وقد سُنّت المادة (121) فقرة (1أ) التي تنصّ على منح المحاكم الشرعية الاستقلالية في الولاية القضائية على مسائل الشريعة؛ نتيجة استيعاب مهاتير وجهات النظر الحداثية.

المرجح أن يتمكن البيروقراطيون الدينيون من تنفيذ أنشطتهم، بما في ذلك دعوة غير المسلمين لاعتناق الإسلام

ومع تزايد سلطة المجلس الوطني الإسلامي ونفوذه، وسّعت الحكومة دوره وأعادت تسمية هذه الهيئة لتصبح إدارة التنمية الإسلامية في ماليزيا (جاكيم) سنة 1997.

أظهرت أحدث موازنة ماليزية لسنة 2016 تقديم تمويل لجاكيم يبلغ (724.6) مليون رينغت. ونتيجة لذلك، من المرجّح أن يتمكّن البيروقراطيون الدينيون المرتبطون بالحكومة من تنفيذ أنشطتهم، بما في ذلك دعوة غير المسلمين لاعتناق الإسلام، وخنق الحريات.

إدارة التنمية الإسلامية في ماليزيا (جاكيم) والبيروقراطيون الدينيون، سيواصلون أداء دور حيوي في السياسة الماليزية في المستقبل، بالإضافة إلى ذلك ألحق توقيف أنور إبراهيم ضرراً كبيراً بالمعارضة، مما جعل الحزب الإسلامي يعتمد موقفاً أكثر تصالحاً تجاه المنظمة الوطنية الملايوية المتحدة. وإذا استمرّ هذا الاتجاه فمن المرجّح أن يتسرّب المزيد من البيروقراطيين الدينيين إلى المناصب العليا في الحكومة.

قام البيروقراطيون الدينيون والعلماء بدور كبير في مقاومة قانون العنف المنزلي لسنة 1994 وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، ألقت الإدارة الدينية في ولاية سيلانغور القبض على مفتٍ سابق لولاية برليس: أسري زين العابدين. وقد اتُّهم بتنظيم الصفوف الدراسية من دون ترخيص. وحدث ذلك على الرغم من أنه كان الزعيم الديني لولاية برليس، ويحمل شهادة الدكتوراه في الدراسات الدينية. فقد أزعجت آراؤه الحديثة بشأن الردّة، البيروقراطية الدينية. وحظي توقيفه بتأييد المنظمة الوطنية للعلماء، ومنظمات يمينية محافظة، ممّا يظهر التحوّل إلى وجهة نظر ضيّقة الأفق للإسلام في ماليزيا.

نشطت البيروقراطيات الدينية في دعوة غير المسلمين لاعتناق الإسلام، ومعارضة ارتداد المسلمين عن الإسلام في الوقت نفسه.

السلطات الدينية فرضت عقوبات على من تعتبرهم لا مخلون بالسلوك الملائم مثل الخلوة بين الجنسين

كما أن الملايوي الذي يرغب في التحوّل عن الإسلام يواجه الاحتمال المخيف لفقدان هويته الملايوية، بالإضافة إلى مختلف المزايا الاقتصادية والاجتماعية التي تقدّمها سياسات العمل الإيجابي التي تهدف إلى مساعدة الملايويين.

وفي عشاء ديني مشترك نظمته إحدى الكنائس الكاثوليكية أخيراً، هاجم أعضاء من الإدارة الدينية في سيلانغور الفعاليات وقاطعوها؛ بحجّة أن “أعضاء الكنيسة يدعون المسلمين إلى التحوّل عن الإسلام ويربكونهم”.

وقد أنشأت جاكيم لجنة اتحاد المنظمات غير الحكومية الإسلامية المنسّقة بمساعدة منظمات إسلامية أخرى، وتسعى هذه اللجنة إلى تعزيز تطبيق الشريعة، كما أنّ منظمّات إسلامية سائدة مثل لم تستثنَ من الاتهامات بالانحراف والشيطنة التي يقوم بها أعضاء البيروقراطية الدينية، حيث تأمر المحاكم الشرعية من يعتزم التحوّل عن الإسلام بالخضوع للاستشارة وإعادة التأهيل.وفي الحالات التي تتم فيها محاولة زواج المسلمات من غير المسلمين، وبدء إجراءات الزواج المدني، تحوّل المحاكم المدنية حالتهم بانتظام إلى المحاكم الشرعية، مما يناقض مبدأ الحرّية الدينية التي ينصّ عليها الدستور.

القضاة في المحاكم الشرعية يعيّنون من قبل ملك ماليزيا بناء على مشورة الوزير بعد التشاور على نطاق واسع مع المجلس الديني، وأخيراً فرضت السلطات الدينية عقوبات على من تعتبرهم مخلون بالسلوك الملائم مثل الخلوة بين الجنسين وإفطار رمضان. ويثير ذلك بالتأكيد أسئلة بشأن: هل تعتبر ماليزيا دولة إسلامية “معتدلة” كما يُزعم في الغالب؟ وفي المحافظات التي تحكمها المعارضة، كان الحزب الإسلامي الماليزي (باس) المعارض الرئيس منذ استقلال ماليزيا لسيطرة المنظمة الوطنية الملايوية المتحدة في أوساط المسلمين.

وفي 1959، حقّق الحزب اختراقه الأول بالفوز بحكومة محافظتيْ كيلانتان وتيرِنغانو. في هذه الحالة لم يحاول باس سنّ أي قوانين إسلامية في البلد، وفي 1978 فقد الحزب سيطرته على المحافظتين. ومع بروز جماعة جديدة من العلماء المحافظين في قيادة الحزب سنة 1982، ركّز الحزب اهتمامه على الفوز بحكومة كيلانتان ونجح في الفوز بها سنة 1990. وعند تسلّمه السلطة، بدأ نيك عزيز نيك مات، الزعيم الروحي لباس، ومعه رئيس وزراء كيلانتان المعيّن، بإدخال تدابير يعتبرانها منسجمة مع التعاليم الإسلامية.

خلاصة من بحث: نواب عثمان 'إضفاء البيروقراطية على الدِّين في ماليزيا'، ضمن الكتاب 111 (مارس 2016) ''الشرطة الدينية الجزء الثَّاني' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13