علمانيو تونس متخوفون من انقضاض النهضة على الحكم

في ظل الأزمة الكبرى التي شهدها حزب حركة نداء تونس وما عرفه من استقالات وانسحابات أكدت تصدع الحزب وانشطاره، احتلت كتلة حركة النهضة الصدارة في مجلس نواب الشعب بعد أن كانت وصيفة النداء بعد الانتخابات التونسية الأخيرة. وأثار هذا الوضع مخاوف العلمانيين في تونس من أن تحاول الحركة الإسلامية الانقضاض على الحكم مستفيدة من الأوضاع ومن الجو القائم، الذي يذهب الكثيرون ولا سيما القوى اليسارية في تونس إلى القول، إنها تقف وراء تأجيجه.
الاثنين 2016/02/01
الحكم لنا الآن

تونس- تساور القوى العلمانية التونسية مخاوف من “انقضاض” حركة النهضة الإسلامية على الحكم بعد أن أصبحت تتصدر قائمة الكتل الانتخابية بالبرلمان نتيجة نزيف استقالات نواب حزب نداء تونس فيما تقول قيادات النهضة وفي مقدمتها رئيسها راشد الغنوشي إن الحركة لا نية لها في الحكم.

وعلى الرغم من تصريح الغنوشي بأن النهضة لا نية لها في استغلال تصدرها المرتبة الأولى لقائمة الكتل الانتخابية تحت قبة البرلمان للعودة إلى الحكم، فإن القوى العلمانية وفي مقدمتها الجبهة الشعبية لم تر في “طمأنة” الغنوشي سوى “مقدمة للانقضاض على الحكم”.

واعتبرت الجبهة الشعبية أن “طمأنة” الغنوشي “ما هي إلا مناورة لربح الوقت لمزيد تهرئه نداء تونس والصعود من جديد للحكم على جثة النداء الذي أنهكه نزيف حاد لغالبية نوابه في البرلمان احتجاجا على سعي نجل الرئيس الباجي، حافظ قائد السبسي المتحالف مع النهضة إلى الهيمنة على قيادة الحزب العلماني”.

وقاد فقدان النداء لأغلبيته البرلمانية إلى إعادة رسم خارطة الكتل البرلمانية، حيث أصبحت كتلة النهضة تحتل المرتبة الأولى بـ69 مقعدا تليها كتلة النداء بـ64 مقعدا ثم كتلة “الحرة” بـ22 مقعدا تليها كتلة الاتحاد الوطني الحر بـ16 مقعدا، لتحل كتلة الجبهة الشعبية المعارضة في المرتبة السادسة بـ15 مقعدا وكتلتي حزب آفاق تونس وكتلة الديمقراطية الاجتماعية في المرتبة السابعة بـ10 مقاعد.

وفي ظل تداعيات التركيبة الجديدة للكتل الانتخابية ارتفع منسوب مخاوف القوى العلمانية سواء منها المؤتلفة في حكومة الحبيب الصيد بما فيها حليفها النداء أو المعارضة من “استثمار” النهضة للوضع من أجل العودة إلى السلطة.

النهضة تستعد للانقضاض

ويبدو أن الحركة الإسلامية “استشعرت” مخاوف العلمانيين، ما دفع براشد الغنوشي إلى التصريح بأنه “لا نية لنا في الحكم وأن الوضع سيحافظ على ذات المعطيات دون تغييرات” وذلك في مسعى إلى امتصاص الاحتقان الذي يعصف بالمشهد السياسي نتيجة غرق الأحزاب في فوضى أزماتها الداخلية.

غير أن القوى العلمانية التي لا تثق في الخطاب السياسي المعلن لقيادات النهضة، ترى أن الحركة الإسلامية تحاول “تهدئة” الأوضاع العامة الاجتماعية والسياسية بما يساعدها على التخطيط في ما تقول “الانقضاض على السلطة”.

ويقلل المحللون السياسيون من مخاوف القوى العلمانية ملاحظين أن الاتهامات الخطيرة التي وجهها خلال اليومين الماضيين الرئيس السبسي للنهضة بوقوفها وراء تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية ومخاطر الجهاديين، تعد إنذارا شديد اللجة مسبقا للحركة من مغبة التفكير في العودة إلى الحكم، وهو إنذار لم يكن يتوقعه الغنوشي الذي كثيرا ما استمات في الدفاع عن تحالف الحركة مع النداء على حساب القوى اليسارية.

المشهد السياسي الجديد في تونس

شهدت "كتلة نداء تونس (البرلمانية) تغييرا في العدد، وأصبح عدد أعضائها 64، وذلك بعد استقالة 22 عضوا"، أحدث المستقيلون "كتلة جديدة اسمها الحرّة وعدد أعضائها 22.

وأصبحت حركة النهضة (69 مقعدا) صاحبة الأغلبية في البرلمان يليها نداء تونس (64 مقعدا) ثم "الحرة" (22) والاتحاد الوطني الحر (16) والجبهة الشعبية (15) وآفاق تونس (10).

وكانت أحزاب نداء تونس والنهضة والوطني الحر وآفاق شكت ائتلافا حكوميا رباعيا اثر الانتخابات التشريعية والرئاسية التي أجريت نهاية 2014 وفاز فيها نداء تونس الذي أسسه الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي.

ولن تؤثر استقالة 22 نائبا من نداء تونس في الوقت الحالي على الائتلاف الحكومي الذي لا يزال يحظى بالأغلبية في البرلمان (159 مقعدا من إجمالي 217).

لكن الاستقالات تمثل مرحلة جديدة في تفكك "نداء تونس" الذي تمزقه حرب زعامات منذ أن غادره رئيسه ومؤسسه الباجي قائد السبسي بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية. وينتمي اغلب النواب المستقلين من "نداء تونس" إلى شق الأمين العام المستقيل من الحزب محسن مرزوق الذي أعلن انه سيطلق حزبا جديدا مطلع آذار القادم.

ويتنافس محسن مرزوق (يساري) على القرار داخل الحزب مع حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس الذي يتهمه خصومه بالسعي إلى "خلافة" والده في منصبه.

ويضم "نداء تونس" الذي تأسس منتصف 2012 يساريين ونقابيين ورجال أعمال وأعضاء سابقين في حزب "التجمع" الحاكم في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي (2011-1987).

ويضيف المحللون أنه ما على النهضة سوى “التقاط” اتهامات قائد السبسي لها وفهم رسائلها التي مفادها أن القوى العلمانية بما فيها النداء ستستميت في قيادة حرب ضد أي مسعى من مساعي النهضة إلى العودة لإدارة الشأن العام، وهي المسؤولة على الأزمة الاقتصادية والاحتقان الاجتماعي والهشاشة الأمنية واستفحال الظاهرة الجهادية التي باتت تهدد كيان الدولة المدنية.

وإضافة إلى تصريحات الغنوشي، يسعى عدد من قيادات النهضة المقربين جدا منه إلى دعم خطابه السياسي، حيث اعتبر أسامة الصغير الناطق الرسمي باسم الحركة، أن ما يتداول من حديث بشأن انقضاض النهضة على الحكم “هو من قبيل الوهم ذلك أننا في الحركة نؤمن بالأبعاد الديمقراطية التي تجمعنا مع شركائنا في الحكم وهذا تأكيد على أننا حركة ديمقراطية تحترم نتائج الانتخابات وإرادة الناخب التونسي.”

وأضاف الصغير في تصريحات صحافية أن “التوافق السياسي مع بقية مكونات المشهد الحزبي هو توافق استراتيجي لخدمة الاستقرار والبلاد، وليس توافقا تكتيكيا مرحليا لخدمة الحزب فعمق علاقتنا مع البقية هو عمق سياسي لن يتبدل بتبدل الظرف”.

طمأنة تتحول إلى نقمة

ويشدد سياسيون على أن “طمأنة” النهضة للقوى العلمانية هي “طمأنة” مرشحة إلى أن تتحول إلى “نقمة” بعد الاتهامات الخطيرة التي وجهها إليها حليفها الرئيس السبسي، وقد تقود تلك الاتهامات بالحركة إلى مراجعة مواقفها وتحالفاتها مع العلمانيين في الحكومة الائتلافية.

وفي المقابل يستبعد سياسيون آخرون تفكير النهضة في العودة إلى الحكم خلال هذه المرحلة، لافتين إلى أن الحركة الإسلامية التي تعاني من الانطواء وعدم قدرتها على استقطاب أكثر ما يمكن من التأييد الشعبي ومن تداعيات فشل الإخوان في عدد من البلدان العربية، ليست مستعدة إلى “المجازفة” بنفسها خاصة أنها لم تجن من فترة حكمها سوى المزيد من توجس خصومها وجزءا من الرأي العام تجاه أدائها السياسي.

ويبدو أن ذلك هو ما دفع بنور الدين البحيري رئيس كتلة الحركة إلى التصريح بأن “النهضة ملتزمة أخلاقيا وسياسيا بالعمل على إنجاح التوافق والانتقال الديمقراطي للبلاد، وأن الالتزام بإنجاح المرحلة هو أولوية وطنية وليس سياسة مرحلية.”

وذهب البحيري إلى أبعد من ذلك يقول إن “استعمال لفظ ‘الانقضاض على الحكم’ في حق حركة النهضة هو استعمال مغلوط لأننا حركة وطنية ولسنا ذئابا للانقضاض على السلطة”.

أما لطفي زيتون، المستشار السياسي للنهضة، فقد وصف مخاوف القوى العلمانية بـ”اللغو الذي لا يستحق كل هذا الاهتمام”، معتبرا أن النهضة “لم تفكر في الأمر وكل ما في ذلك هو مجرد قراءات.”

ويرى مراقبون ومتابعون للشأن التونسي أنه في حال سعت النهضة إلى العودة من جديد لإدارة الشأن العام ستزج بنفسها في حالة مشابهة لتجربة الإخوان في مصر في ظل استماتة القوى العلمانية على الرغم من تشتتها في رفضها لوضع التجربة الديمقراطية بين فكي الإسلام السياسي.

ويشدد المراقبون على أن النهضة التي تتكتم تكتما شديدا على تدني أدائها وعلى خلافات عميقة تشقها، تعي جيدا أن عودتها إلى الحكم خلال هذه المرحلة قد تقودها إلى نهاية كارثية والحال أنها تسعى إلى إقناع الرأي العام التونسي ومواقع صنع القرار على المستوى الإقليمي والدولي بأنها الحركة الإسلامية الوحيدة القادرة على الإقناع بنجاح التعايش بين الإسلام السياسي والقوى العلمانية في التجربة الديمقراطية الناشئة.
7