علم الاجتماع وتهمة ثقافة الأعذار

الأحد 2016/03/13
الدين عنصر اجتماعي على غرار الدولة والمدرسة والثقافة والقانون

منذ أحداث يناير 2015، والجدل حام لا يفتر، حول دوافع العنف، ودور الدولة في توقّيه لحماية مواطنيها، وقرار الاشتراكيين بفرض حالة طوارئ لأن البلاد تخوض حربا، ثم قرارها بنزع الجنسية عن كل من يهدد أمن البلاد وسلامة أهلها، وإن كان ذلك الجدل قد ظل محصورا في تحليل ما يجري والبحث عن سبل التصدي له، غير أنه اتخذ وجهة أخرى حينما وجه النظام الحاكم، ممثلا في رئيس الحكومة مانويل فالس، اليساري شكلا، واليميني مضمونا، اتهامات مباشرة لعلماء الاجتماع، الذين يختلقون في رأيه الأعذار للإرهابيين، فتَحوّل الجدل إلى خصام حادّ بين الحكومة والمثقفين.

كانت البداية في نوفمبر 2015، في كلمة ألقاها فالس في البرلمان، قال فيها “إنه لم يعد يحتمل أولئك الذين يبحثون باستمرار عن أعذار أو مبرّرات ثقافية أو اجتماعية لما جرى”، ثم عاد في يناير 2016، في المكان نفسه ليعلن أنه “لا مجال للبحث عن عذر اجتماعي، سوسيولوجي أو ثقافي” قبل أن يعرب عن تبرّمه مما أسماه “ثقافة الأعذار”، مضيفا “أن تُفسّر معناه أنك تَصفح”. وهو ما أثار حفيظة جانب هامّ من المفكرين، من بينهم مارسيل غوشيه، أكثر الفلاسفة رصانة، وأقلّهم ميلا إلى مثل هذه المعارك.

وهذا ليس جديدا على اليمين، فرونالد ريغن، على سبيل المثال، كان عاب عام 1983 على “الفلسفة الاجتماعية” (التي يصفها أيضا بفلسفة اليسار) نزوعها إلى اعتبار “المجرمين نتاجا بائسا لظروف اقتصادية واجتماعية سيئة”. في حين أن علم الاجتماع، كما يوضّح الأميركي هوارد بيكر يقوم على تحقيق هدفين يمكن تلخيصهما في سؤالين بسيطين: كيف نفسّر العبقرية؟ وكيف نفسّر الجريمة؟ بعبارة أخرى، لا يمكن فهمُ موزارت ولا مجرمٍ سفاح إلا كشخصين متفرّدين، فموهبتهما – في خدمة البشرية أو خدمة الشرّ – لا تخضع لأيّ قانون.

والسعي إلى تفسيرها لا يأتي بنتيجة لأن في ذلك ما يشبه شكلا من أشكال التعدي على الجمال من جهة، والنظام الاجتماعي من جهة ثانية. والذين يمارسون العلوم الاجتماعية يعرفون أن محاولة تحليل الموهبة الفنية والانحراف الإجراميّ تعرضهم إلى مخاطر ليس أقلها تنمّر أولئك الذين يميلون إلى تفسير كل شيء على هواهم، لأن في ذلك مصلحتهم، ليحيلوا نتائجهم إلى صدف الولادة والعبقرية ومسؤولية كل فرد أمام القانون.

وغاية فلسفة المسؤولية تلك واضحة كما بيّنت أعمال بيير بورديو: جعل المهيمنين والمنتصرين من شتى الفئات، وخاصة أولئك المتفوقين دراسيّا أو مهنيّا، أمرًا مشروعًا، بمعنى “إن نحن أغنياء فالفضل فيه لأنفسنا (أسطورة الصانع نفسه بنفسه self-made-man). وإن نحن متألقون دراسيا فالفضل لملكاتنا الذهنية (أسطورة الموهبة) أو مجهوداتنا (أسطورة الاستحقاق). وإن نحن مشهورون ومعترف بنا فالفضل لمهارتنا الاستثنائية (أسطورة العبقرية)”، أي أن هيمنة بعض المجموعات على بعضها الآخر ليس سوى نتيجة اختيارات أو نجاحات فردية، ولا دخل للاعتبارات الاجتماعية فيها.

التخلي عما مثل قيم الأنوار، أي المعرفة والعقل والفكر النقدي، يكمل المشهد الكارثي ليسار فشل في مهمته وخان مثله العليا

وهذا ما اعتاد عليه اليمين بدءا بعالم الاجتماع ريمون بودون. أما أن تأتي التهم من حكومة تدّعي انتماءها إلى اليسار، فيما هي لا تَني تتيامن في كل سياساتها الاقتصادية والمجتمعية وأخيرا الدستورية بمحاولة فرض قانون ضمن الدستور يشرّع لنزع الجنسية عمّن يحمل جنسيتين (والمستهدفون هم المهاجرون العرب بالدرجة الأولى)، فذاك ما زاد الجدل ضرامًا. لأن الحكومة تضع علماء الاجتماع في وضع من يلزمه إثبات جدوى علومه وأبحاثه ومؤلفاته ما دامت قد عجزت عن استباق الخطر والتحذير منه.

فاليسار تاريخيا كان مرتبطا بتطور النظر العلمي في العالَم الاجتماعي، بعد أن أدرك أن التفاوت بين الأفراد والجماعات ليس طبيعيا، وأن الهيمنة بأنواعها، كولونيالية وطبقية وذكورية، كانت نتاج عوامل تاريخية، وفتح السبل أمام أفكار تحويل مشاكل التفاوت عن طريق الحراك الاجتماعي والعمل السياسي، وفي رأي إريك أيشيمان من مجلة لونفيل أوبس، أن ثمة نوعا من التناسق لدى حكومة اليسار الحالية، التي تخلّت عن كل مطمح في التصدي للتفاوت الاقتصادي والثقافي والمدرسي، حين تتبنى في النهاية مفردات أولئك الذين، من اليمين المتطرف واليمين على حدّ سواء، يختزلون كل تفسير في “ثقافة أعذار” مزعومة. فبعد التماهي معهما في الفكر الليبرالي على المستوى الاقتصادي، وفي قضية الهوية الوطنية الإشكالية، والانخراط في سياسات أمنية تتغذى بالخوف وتتعهّده، فإن التخلي عمّا مثّل قيم الأنوار، أي المعرفة والعقل والفكر النقدي، يكمّل المشهد الكارثي ليسار فشل في مهمته وخان مثُلَه العليا.

تراجع ظلامي

وقد بلغ الخلاف أشُدّه ما دفع أحد علماء الاجتماع، هو “برنار لاهير” من جامعة ليون، إلى إصدار كتاب جديد عنوانه “لأجل السوسيولوجيا، ولأجل وضع حدّ لثقافة الأعذار المزعومة” للردّ على الخصوم، أكّد فيه أن الباحثين في العلوم الاجتماعية الأكثر جدية يقودون عملهم من جهة المساءلة النقدية والاستقصاء الميداني وتأويل المعطيات التي يحصلون عليها. وهم يعيدون تركيب الظروف والحكايات المتداخلة – من الأشمل إلى الأخص – التي تندرج فيها الأفعال التي يرومون فهمها. يقومون بذلك دون إصدار أحكام على الوضع العام. ومن ثَمّ فإن فهم العالَم كما هو ليس إيجاد ذريعة للصفح عن الأفراد الذين يكوّنونه. في المقابل، فإن رفض التفسير المبنيّ على استنتاجات علمية يمثل تراجعا ظلاميا بالنسبة إلى القيم الأساسية التي تحملها المدرسة في شتى درجاتها.

معاداة المثقفين

وهذا ما كان عبّر عنه رولان بارت في كتاب “ميثولوجيات” حيث شبّه معاداة المثقفين بـ”البوجادية” نسبة إلى بيير بوجاد (1920-2003)، زعيم التجار الذي كان في خمسينات القرن الماضي يندّد بـ”كثرة الحاصلين على شهادات، ومتعددي الفنون والعلوم، ورجال الاقتصاد، والفلاسفة والحالمين الذين فقدوا كل صلة بالواقع”.

تخطيط: ساي سرحان
فالتيار المعادي للمثقفين، يقول بارت، هو موقف مفاده أن “من يريد أن يرى بوضوح، عليه أوّلا أن يصاب بالعمى، ويرفض تجاوز المظاهر، ويقبل بلا نقاش ما يقترحه الواقع، ويعتبر أن كل ما من شأنه أن ينوب عن التفسير عند الرّدّ عَدمٌ”. وختم نهاية تحليله بقوله إن “أيديولوجيا معادة المثقفين تشمل أوساطا سياسية مختلفة”. والغريب أن ذلك لا يخص فرنسا وحدها، بل يتعداه إلى بلدان متطورة أخرى، كاليابان مثلا، حيث دعا رئيس الحكومة الجامعات اليابانية إلى تحويل أقسام العلوم الإنسانية والاجتماعية “لكي تلائم حاجيات المجتمع بشكل أفضل”.

مسؤولية أخلاقية

ولمّا كان الدافع إلى هذا كله هو ما لحق الفرنسيين مؤخرا من أعمال إرهابية، فإن السؤال الذي ما فتئ يُطرح على علماء الاجتماع هو: كيف يمكن تحليل الحتميات التي تحدّد سلوك الإرهابيين دون أن نُخليهم من مسؤولية أفعالهم؟ في حديث لجريدة لوموند، أجاب برنار لاهير أن العلماء ليس من مهمتهم تحديد الجناة أو خلع المسؤولية عن الأفراد الذين يرتكبون أعمالا إجرامية. فالأعمال الفردية من وجهة نظره لا يكون لها معنى إلا متى وضعت في شبكة معقدة لعلاقات الترابط الماضية والراهنة. وهي حقيقة موضوعية لا ينكرها أحد، مثلما لا ننكر الميكانيزمات التي يقترحها علينا علماء الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا.

وأضاف خاصة أن “المسؤولية الفردية مسألة أخلاقية أو قضائية، وليست مفهوما علميا محدّدا. ولكن أن نفهم دون أن نحكم، لا يمنع من ترك العدالة تأخذ مجراها. أما أن نفكر في أن العلم، القائم على الشرح والفهم، ينزع المسؤولية، فهذا خلط بين العلم والقانون، بين المختبر والمحكمة”.

ويتمسك الخصوم بأن العلوم الاجتماعية أهملت في تفسيرها العوامل الدينية، التي دفعت بجانب من الشباب الفرنسي إلى ارتكاب أعمال إجرامية. وفي رأي جيرالد بونّر أن وضع الدينيّ في مقابل الاجتماعي دليل جهل وفي أحسن الأحوال دليل على سوء فهم. لأن العلوم الاجتماعية أدرجت المسألة الدينية منذ أمد بعيد كمبحث أساس لفهم دورها في المجتمع، سواء في تطور رأس المال لدى ماكس فيبر أو في التلاحم الرمزي للعالَم الاجتماعي لدى إميل دوركايم، فالدين هو عنصر اجتماعي على غرار الدولة والمدرسة والثقافة والقانون أو الاقتصاد. والخلط متأت من فهم خاطئ لمصطلح “اجتماعي”، فهو في كثير من الأذهان معادل للطبقة الاجتماعية أو الوسط الاجتماعي.

والرأي الغالب في النهاية أن الفهم لا يعني الحكم. ولكن الحكم (وتسليط العقاب) لا يمنع الفهم. وإذا كان موقف الذين يريدون الحكم وتسليط العقوبة دون فهم لم ينتشر مثل هذا الانتشار في الفضاء العام، فما من أحد يمكن أن يلوم العلوم الاجتماعية على أدائها لعملها، وما من أحد تنتأ في ذهنه فكرة تأويل “البحث عن الأسباب” أو “إرادة الفهم” على أنها عذر أو محاولة لتبرئة المذنبين.

كاتب من تونس مقيم في باريس

11