علم المواطن

يجد المواطن العالمي نفسه في القارة الجديدة، قارة المعرفة الحرة، أمام خيارين؛ أصولي سلفي، مهما كان دينه وإيمانه من عدمه، يرفض العيش في العصر الجديد، أو مواطن جديد ينتمي إلى اللحظة الحالية.
الجمعة 2020/01/17
شيء ما قد تغيّر وغيّر معه دور المواطن

إذا قرأ عربي هذه العبارة “علم المواطن” فسيظن على الفور أن الموضوع يتعلق بدراسة شؤون المواطنة المفقودة في عالمه العربي الذي يعاني. ولن يخطر له ببال أن المعنى يذهب إلى نشاطات المواطن ذاته، بعد أن يكون قد نال كل حقوقه وانتهى من الهمّ والغمّ والنكد حولها، متفرغاً للبحث العلمي والتفكير في الوجود.

علم المواطن أو “سي إس” والذي يمكن أن يسمّى أيضاً بـ”علم الحشود”، بعيداً عن الحشود الشعبية التي نعرفها، هو علم للمتطوعين يقوم على “مشاركة الجمهور في البحث العلمي”. علم الجميع؟ هكذا يقولون عنه. علم الجمهور العادي؟ أيضاً.

بوصول البشرية إلى الاعتراف بـ”علم المواطن” لا تكون قد فتحت الباب أمام الناس كلهم للتفاعل المباشر مع المعرفة وحسب، بل أيضاً أغلقت باباً ضخماً وكئيباً كان يقف حائلاً أمام فهم دور المواطن ذاته.

وماذا يفعل المواطن اليوم؟ غير الحرب من أجل حقوقه ومن ثم التهامها، وأداء واجباته أو التملّص منها؟

ماذا يفعل غير أن يضع صوته في صندوق الانتخابات كلما حان موعدها، ثم يذهب إلى بيته ويجلس أمام الشاشة على الأريكة لمتابعة ما يحدث، مخلياً مسؤوليته، فقد سبق له وأن اختار ممثليه وعليهم هم أن يتحملوا عبء كل شيء الآن.

هذا ما كان يجري قبل السنوات الأخيرة التي شهدت تقدماً غير مسبوق في تكنولوجيا المعرفة وتلقيها وبثها. ولذلك فإن شيئاً ما قد تغيّر. وغيّر معه دور المواطن.

يجد المواطن العالمي نفسه في القارة الجديدة، قارة المعرفة الحرة، أمام خيارين؛ أصولي سلفي، مهما كان دينه وإيمانه من عدمه، يرفض العيش في العصر الجديد، أو مواطن جديد ينتمي إلى اللحظة الحالية والتالية عليها. فيختار إما الغرائزية والتعصب والانغلاق، أو علم المواطن.

وقد قرأت قبل فترة قصيرة عن دراسة أجريت مؤخراً في جامعة بورتسموث، حول رغبة المواطنين بالمشاركة في المشاريع العلمية، بشكل تطوّعي. وكشفت الدراسة أن تلك الرغبة كان دافعها الأساسي الاشتراك مع المجتمع العلمي والهروب من الواقع.

يقال إن علم المواطن اليوم يلاقي ترحيباً كبيراً من ناسا وغيرها، بحيث ترحب تلك الهيئات العملاقة بالمتطوعين الذين يريدون الهروب من الواقع إلى العلم. غير أن الواقع العربي أشد كاريكاتورية من الواقع في غير مكان من العالم، فالمواطن العربي يرغب بالمشاركة بإلحاح نعم. لكن بماذا؟ في الترفيه والنميمة والتخريب والهمجية وليس في مشاركة العلماء التفكير والعمل والاكتشاف، فما جدوى ذلك في خارطة تعيش زمن ما قبل الدولة وما قبل المواطنة وما قبل الإنسان؟

24