"علم بلا وطن": فيلم عن واقع مأزوم يناقض رغبات مجنحة

يحرك الكردي الإيراني بهمن قوبادي فيلمه الجديد “علم بلا وطن” تحت وطأة الأحداث السياسية الراهنة التي تعيشها المنطقة عامة، والعراق بشكل خاص، يمزج بين الجانب الوثائقي والدرامي، يقتفي أثر شخصيتين كرديتين أثبتتا حضورا في مجالين مختلفين، يعقد صلة بينهما على أساس الانتماء للمكان نفسه، والهموم نفسها، والآمال والأحلام ذاتها.
الأربعاء 2016/08/17
أحلام تتكسر أمام أوضاع لا تتغير

يوثق المخرج الكردي الإيراني بهمن قوبادي (مواليد سنة 1969) في فيلمه الجديد “علم بلا وطن” الذي عُرض في مهرجان أدنبرة السينمائي الأخير، حياة الطيار الكردي العراقي ناريمان أنور الذي يقوم بتصميم طائرة خاصة، ويعود إلى التاريخ القريب في تسعينات القرن العشرين وما بعدها، حين كانت أجواء كردستان منطقة يحظر فيها الطيران، ويصر على متابعة العمل على طائرته بعيدا عن استخفاف بعض الجاهلين به، وتسخيفهم لعمله إلى درجة السخرية منه، فيتحدى المشقات ويمضي في طريق تحقيق حلمه بالطيران.

ويقدم ناريمان بالعكازات التي يستعملها في مشيته نموذجا للشاب الطامح الذي يخوض غمار الصناعة الحربية معتمدا على علمه وحلمه بإعلاء علم بلده المأمول، ويسعى إلى التوفيق بين واجبه كأب وزوج، وواجبه كمواطن متعلم يحلم بأداء واجبه.

وفي المحور الآخر الموازي والمتقاطع مع حلم ناريمان أنور، تحضر حكاية المغنية الكردية هيلي لوف (قامت بالدور هيلين عبدالله) والتي تستعيد حياتها حين كانت طفلة في المخيمات، وهربت مع أسرتها من جحيم الحرب في العراق، خرجت إلى إيران وبعدها عبر تركيا وصولا إلى فنلندا التي أكملت فيها تعليمها، واحترفت بعدها الموسيقى والغناء.

هيلي المثيرة للجدل، والتي يلقبها البعض بـ”شاكيرا الأكراد”، كانت قد أصدرت أغنية “ثورة” بالإنكليزية، ارتدت فيها ثياب البيشمركة، وكانت بكامل زينتها وحليها، تؤدي حركاتها الراقصة بطريقة متحدية، حيث تحارب التطرف بالأنوثة وسط أزيز الرصاص ودوي المدافع، في إشارة وتأكيد على تحدي هجمات داعش على إقليم كردستان العراق بعد سقوط الموصل بيده.

يستعيد قوبادي طفولة بطلَي فيلمه؛ أنور ولوف، ويمضي معهما مترصّدا المستجدّات التي طرأت على حياتيهما، مركبا لهما أحلاما متوازية، كلّ واحد منهما في مجال تخصّصه، ويعتمد في ذلك على رصد واقع مخيّمات اللجوء في كردستان، تلك التي لا تخلو من الكثير من مرارات وعذابات يعانيها اللاجئون السوريون.

البطل يبحث بين الأطفال اللاجئين عمن لديهم أحلام بالتحليق، ما يرمز إلى الرغبة في تخريج جيل يتخذ العلم وسيلة لتحقيق آماله

مساع إنسانية

أطفال المخيمات هم مجال اشتغال المخرج وبطليه، يقحمهم في العمل كمن يصور تقارير إخبارية عن زيارات يقوم بها بعض المشاهير للمخيمات بغية إظهار الإحسان من جهة والتعاطف والشفقة من جهة أخرى، وهنا يضاف إليها إضفاء أبعاد قومية على الأمر.

يبحث ناريمان أنور بين الأطفال اللاجئين عمن لديهم أحلام بالطيران والتحليق، يرمز من خلال ذلك إلى الرغبة في تخريج جيل يتخذ العلم وسيلة لتحقيق آماله، لكن الواقع البائس، والمكان الذي يقوم بتدريسهم فيه لا يبشّران بخير كثير، لا سيما في ظل غياب التأسيس المنطقي والعملي للبنية التحتية، ذلك أنّ الواقع يناقض الرغبات، ولا يمكن البناء على ما يفتقر إلى أساس متين، ولا يكفي انتشال بعض الأطفال الراغبين في التعلّم، أو ممن لديهم أحلام بالتحليق، من مخيم اللجوء ليصبحوا طيّارين مستقبليين في ظل غياب رعاية المؤسّسات الرسمية والقوة العملية والعلمية.

المغنية الكردية هيلي بدورها تسعى في الفيلم للقيام بأدوار بطولية بين الواجب الوطني والقومي والإنساني، فتراها تستعيد عذابات الطفولة ومعاناتها في مخيمات اللجوء، وتسعى للتخفيف عن الأطفال اللاجئين في المخيمات، وتحاول الترفيه عنهم بطريقتها الخاصة، وتقوم بتعليمهم الموسيقى، وتنقل إليهم آلة بيانو حديثة، في محاولة لاكتشاف المواهب هناك، وتشجعهم على التشبث بالأمل والعلم والموسيقى.

تتبدّى المساعي الإنسانية من قبل مخرج الفيلم والطيار والمغنية، لكن التوظيف السياسي للأحداث والدفع بالأطفال ليكونوا إكسسوارات وكومبارسات، يلقيان بظلالهما الثقيلة على تلك المساعي المعلنة، حيث يتبدى الأطفال ومعاناتهم الخطيرة جزءا من إكمال صورة المغنية الإنسانية التي تقوم في ما بعد بتمثيل دور البيشمركة، وتحمل السلاح وتمضي مع رتل من البيشمركة للتصدي لهجمات داعش الإرهابية، وكذلك يغيب الأطفال حين تقرع طبول الحرب ويتقدم بطل الفيلم ناريمان مرتديا زيه العسكري ملتقيا بالمغنية في الرتل الماضي إلى الجبهة.

قوبادي يشير من خلال العنوان إلى العلم الكردستاني كوطن محلوم به من قبل الكرد، لكنه لا يزال علما من دون أي دولة معلنة في الواقع

اشتغال واقعي

لا يخلو اشتغال قوبادي في فيلمه من مسألة استغلال المزاج السائد المناهض لداعش، ومحاولة تجيير ذلك في بناء درامي يفتقر إلى النسج المحكم، ويمضي بطريقة مفككة إلى خاتمة شعاراتية، تتمثل في ضرورة مقاومة العدو المتمثل في داعش، وحماية الإقليم الكردي، وإعلاء رايته التي لا تزال ترمز إلى وطن منشود، وبلاد قيد الحلم بالاستقلال، مع أنّه من المفترض أنّ القضايا العادلة لا تحتاج إلى أي تلبيس أو تغليف أو تقنيع.

قوبادي الذي أخرج أفلاما مميزة منها “السلاحف تستطيع الطيران”، و”زمن الجياد المخمورة”، يبدو منساقا وراء فكرة دعائية محاولا إسباغ روح التحدي عليها، ويبدو مخاطبا المتفرج الغربي، عازفا على إيقاعه ومسايرا رغبته في إبراز الزاوية التي يرغب فيها، وتضخيمها بحيث تغطي على الصورة العامة المتمثلة في وجود كم مرعب من الجهل والتخلف، وما حالة هيلي لوف القادمة “بثورتها” الموسيقية والفنية من نعيم أوروبا، إلاّ صرخة في بحر من القيود الاجتماعية والسياسية والدينية التي ترزح تحت أعبائها المرأة الكردية في كردستان العراق.

يعود قوبادي في فيلمه “علم بلا وطن” إلى اشتغاله الواقعي، والاعتماد على أناس غير محترفين في تأدية الكثير من المشاهد، بعد أن كان قد جرّب طريقة مختلفة في فيلمه السابق “موسم الكركدن”، إذ مزج مشاهد من الواقعية التي اعتاد على تقديمها في أفلامه بالفانتازيا والرمزية، صور فيه مقتطفات من سيرة شاعر كردي كانت سلطات الانقلاب في إيران عقب ما سمي بـ”الثورة الإسلامية” حكمت بسجنه ثلاثين سنة، إثر اتهامه بمعاداة الثورة وكتابة أشعار تسيء إلى الجمهورية الإسلاميّة، والتعاون مع العدوّ، وغير ذلك من التهم السخيفة.

ويشير قوبادي من خلال العنوان إلى العلم الكردستاني الذي يرمز إلى وطن محلوم به من قبل الكرد، لكنه لا يزال علما من دون أي دولة معلنة في الواقع، وبحسب القوانين الدولية، ويكون الترميز التالي إلى البحث عن اعتراف دولي وإضفاء شرعية ليدل العلم على وطن، بانتظار تجل واقعي واعتراف رسمي.

16