علم زائف وعقل معطل

الاثنين 2016/05/02

لا تقتصر ممارسات التضليل وأساليب الخداع على مجتمعات بعينها، بل تراها متعدّية الحدود وعابرة الدول والمجتمعات، تارة بوسائل معاصرة، وتارة أخرى بطرق تقليدية لا تزال تحتفظ ببعض الوهج.

مَن يتحمّل أوزار تعطيل العقل وإحلال قوة الجهل محلّه؟ هل هي الأنظمة المستبدّة أم السلطات المتواطئة في ما بينها، تلك المتمثّلة في رجال الدين، أو المقنّعين بأقنعة العلم الزائف من أصحاب الامتيازات والنفوذ والطبقة السياسية المتلوّنة؟ أم هي قوّة هوجاء تتشكّل من تقاطع المصالح بين هذا وذاك؟

في المجتمعات التي يسودها الجهل، يستغلّ بعض المتاجرين بالدين الجهل ليمرّروا أساليبهم البائسة، ويمارسوا استغلالهم للناس ويستكملوا ابتزازهم من خلال بيعهم الأوهام، فكما بيعت صكوك الغفران، وحجزت أماكن في الجنان سابقا، يتمّ حاليا تجديد تلك الخدع بوسائل محدّثة تناسب التطوّر الحاصل، فيكون تجديد خطاب التضليل والانتقال إلى تعبيد الطريق إلى الجنان ومنح مفاتيحها للواهمين الذي يكون العقل لديهم معطّلا.

من خلال نظرة بسيطة على واقع الخطاب الدينيّ في عدد من القنوات بالعالم العربيّ، يتبلور شعور بالإقامة في القرون الوسطى، حيث هناك الإشارة إلى التداوي والمعالجة بالأوهام، والابتعاد عن جوهر العلم وروح العصر، والتلذّذ بدفع المتابعين إلى مستنقعات التخلّف الاجتماعيّ الآسنة.

لا يخفى أنّ مثل هذه التصرّفات منتشرة في الغرب بطريقة محدّثة بدورها، وهذا ما شكّل محور بحث البريطاني بن جولديكر في كتابه “العلم الزائف”، الذي ناقش فيه عددا من الأساليب التي يلجأ إليها بعضهم في سبيل التحايل على الناس باسم العلم، وإقناعهم أن ما يقومون به يستند إلى أسس وقواعد علمية، في حين أنهم يعتمدون على التسويق والإعلان والدعاية لتحقيق مآربهم.

يسعى جولديكر، وهو كاتب ومذيع وطبيب بريطاني، إلى توعية الناس بمخاطر الاحتيال الذي يمارس عليهم باسم العلم، وكيف أن العلم يكون في بعض الأحيان ذريعة للإيهام بما ليس علميا، ووسيلة لمضاعفة الثروات، وصناعة مشاهير في مختلف المجالات. ويستهدف تحصين القارئ من الأشكال الجديدة لما يطلق عليها تسمية الهراءات. ويؤكد أنه يجب تفسير كل هذا، وتقدير مدى تغلغل حالات سوء الفهم وسوء التمثيل في الثقافة المعاصرة. ويعتبر أن قصص النجاح العرضية حول الطب المكمل والبديل، وقصص الفشل المأساوية، مضللة إلى حدّ غير متناسب مع حجمها، لأنها تتسم بالمبالغة الشديدة، وترتبط بمشاعر قوية، وتميل إلى استخدام الخيال البصري الزاعق.

وهنا يتجدّد التساؤل عن دوافع أحدهم للتغرير بالآخر، أو التنكيل به، والتلذّذ بفعله، وإمكانية الشعور بالطمأنينة بعد ذلك براحة ضمير، أو هل يدرك هؤلاء أيّ معنى للضمير؟ كما يكون التساؤل عن إنسانيّة الإنسان حين يعطّل عقله ويكتفي بجسده آلة للتجارة والتموّل أو أداة للقتل والتدمير.

كاتب من سوريا

15