علوان الجيلاني: التصوف هو من حدد ملامح الشخصية اليمنية

الشاعر والناقد والباحث اليمني يقوم بمهمة صعبة لإنقاذ تراث بلاده الصوفي، ويؤكد أن التصوف في اليمن تعرض للعديد من التحديات نتيجة التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية.
الاثنين 2019/03/11
البيئة الثقافية اليمنية ركيزتها التصوف

يزخر اليمن بموروث ثقافي وفكري عريق، وهو ما لا يخفى على متابع أو متمعن في تفاصيل هذا البلد. ولم ينشأ الشعر والأدب والمعمار في اليمن من فراغ، حيث ساهمت في بلورته تيارات فكرية متداخلة لعل أهمها الصوفية. للحديث عن الصوفية في اليمن التقت “العرب” الشاعر والباحث اليمني المهتم بقضايا التصوف في اليمن علوان الجيلاني.

القاهرة - الشاعر والناقد والباحث اليمني علوان الجيلاني علامة مهمة في المشهد الثقافي اليمني. والمتابع لنتاجه الشعري وكتاباته النقدية ودراساته في التصوف والتراث الشفاهي يدرك جيدا أننا نستطيع تقديم اليمن من خلال تجربته الكتابية، فقد ساعدته موسوعيته وأهلته معارفه، وأتاح له شغفه ومثابرته أن يقدم إنجازا فارقا، وأن يلفت الأنظار بقوة خلال عقدين ونصف العقد، وفي ظلام الحرب اليمنية الطاحنة وظلماتها، وفي مدينة القاهرة التي ألقى فيها الجيلاني رحله منذ عامين، استطاع في فترة وجيزة أن يرفد المكتبة اليمنية والعربية، بخمسة إصدارات جديدة له خلال العام 2018 ومطلع العام 2019، وقد تنوعت أبواب ومواضيع هذه الكتب: “مفاتيح الأدراج” في السرد، “ملامتيه” عن شخصيات ووجوه وتجارب أدبية يمنية معاصرة، “أحمد نشم أزمنة الفارس ومآثره” ديوان شعر، “منثور الحكم” للعارف بالله محمد بن عمر حشيبر دراسة وتحقيق، “بنو حشيبر إرث العلم وبذخ الولاية” مقاربات وقراءات في تاريخ واحدة من أهم أسر العلم في اليمن.

وفي الحوار التالي مع الجيلاني نحاول استنطاق بعض هذه الجهود المتشعبة التي يسعى من خلالها الكاتب لإنقاذ جزء مهم من الموروث اليمني، وتسليط الضوء على المدرسة الصوفية اليمنية كفضاء لما هو روحاني في عمق التاريخ اليمني.

الصوفية اليمنية

حول فرادة الملمح الصوفي في التراث اليمني وخصوصية التصوف في المدرسة الفكرية اليمنية، التي يؤكد عليها الجيلاني في كتاباته المتعددة، يرى الكاتب أن هناك العديد من الخلفيات الثقافية والتاريخية التي ساهمت في تكوين فكر التصوف وآثاره في اليمن، ويقول الجيلاني “صار التصوف في القرن السادس الهجري القرن الثاني عشر الميلادي هو المرتكز الأساسي في البيئة الثقافية اليمنية، ومهيمنا قويا على الأفكار والمثل والمعارف والمعتقدات والعادات والتقاليد والأعراف وطرق التفكير وطرق معيشة الأفراد، وموجها لسلوكياتهم ووعيهم وتصوراتهم للوجود، متسربا إلى قصصهم وألعابهم وموضوعات يومياتهم وشواغلهم ومناهجهم في التعليم ووسائلهم في الإنتاج والتقويم والموسيقى التي يعزفونها والنظام الأسري الذي يسيرون عليه ووسائل انتقالهم والمعارف التي تشيع فيهم”.

التراث الصوفي اليمني قد ظلم وهمّش ولم يتم الاشتغال به تحقيقا ودرسا، فبقي حبيس أدراجه ومعتما عليه
 

ويؤكد الجيلاني أنه إذا كانت الأنثروبولوجيا الثقافية تصف السمات الثقافية لمجتمع ما بكونها تتمحور عادة حول ميول رئيسة تصبح نقطا محورية للنشاط، فإن هذا يتحقق تماما حين نفكر بالتصوف اليمني، خاصة حين يتضمن النمط الثقافي انتظاما في السلوك لا يمكن أن يحدث إذا كان شخص يعمل بطريقة عشوائية وبأٍسلوب فردي.

ويعتقد الجيلاني أن التصوف في اليمن تعرض للعديد من التحديات نتيجة التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي طرأت على اليمن خلال العقود الماضية، وإن بعضا من هذه التحديات أتت على شكل استهداف موجه إلى منظومة القيم التي صنعها التصوف، وهو أمر يؤكد أنه لم يبدأ في هذه الحقبة الزمنية بل امتد إلى قرون كثيرة، إلا أن حضوره كنمط ثقافي مهيمن لا يزال موجودا، وإن في أمور غير محسوسة، بسبب التجهيل والانقطاع المؤسسي، الذي لم يبق من تمثيلاته إلا القليل.

ويضيف الجيلاني “لقد حدد التصوف الملامح العامة التي تتميز بها الشخصية اليمنية في معظم أرجاء اليمن من تهامة حتى حضرموت، وكانت بصماته واضحة في التعابير اللغوية والملبس والعادات والتقاليد والقيم. وفي الأفكار والاستجابات العاطفية المختلفة وأنماط السلوك وطرق التفكير، ففي تهامة التي كانت أخصب بيئاته امتد أثره مثلا في جانب الزهد والتواضع وعدم الاحتفال بالدنيا إلى مظاهر حياتية كثيرة على رأسها المعمار من سكن ومعبد ومدرسة خصوصا في الأرياف والمدن الثانوية، ولعل قصة الشيخ مهدي المنسكي (القرن السابع الهجري – الثالث عشر الميلادي) تكون أمثل شاهد في هذا السياق“.

منثور الحكم

تجاوز حقل التصوف إلى مختلف الدراسات الإنسانية
تجاوز حقل التصوف إلى مختلف الدراسات الإنسانية

من الحديث العام عن عوالم الصوفية في المدرسة اليمنية كما يراها الباحث الجيلاني انتقلنا إلى تجربته الشخصية التي أثمرت العشرات من الأبحاث والدراسات المنشورة حول التصوف وقيمه وأهميته في الهوية اليمنية، والتي كان آخرها كتاباه الأخيران “بنو حشيبر إرث العلم وبذخ الولاية”، و”منثور الحكم” لمحمد بن عمر حشيبر الذي حققه ودرسه، وعن هذه التجربة يقول الكاتب والباحث اليمني “الآن لدينا سلسلة في مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر تهتم بنشر التصوف اسمها ‘رواق التصوف‘ أتشرف أنا بالإشراف عليها، وبسبب إيمان صاحب المؤسسة الشاعر والناقد هاني الصلوي بهذه المهمة فقد استقطبنا مجموعة كبيرة من الدارسين والمحققين ولدينا الآن رصيد هائل من الكتب التي تنتظر دورها في الصدور، كما أن هناك مجموعة كبيرة من الشباب اليمني يتجاوبون بقوة مع هذا التوجه ولديهم حماس للإسهام فيه”.

ويؤكد علوان الجيلاني في سياق حديثه عن تجربته الذاتية في عوالم وفضاءات الصوفية التي يستلهمها من خلال إحياء التراث اليمني في هذا الجانب أن كتابه الصادر حديثا بعنوان “منثور الحكم” يضيف الكثير بما يتجاوز في مساحته حقل التصوف إلى مختلف الدراسات الإنسانية وعلى رأسها الأدب بتجلياته المختلفة، فنصوصه تشتغل على القرآن وحتى على النصوص الرديفة من أحاديث وآثار نبوية، بتقنية ما يمكن اعتباره، حسب وصف الكاتب، نوعا من الكتابة على الكتابة، وهذا النوع من الاشتغال تتحكم فيه عادة، قوة وضعفا، موهبة الكاتب وحنكته، وقوة تجربته ومقدار ثقافته.

 وعن هذا الكتاب يضيف الجيلاني “الغريب أن ابن حشيبر يقنعنا بأن كتابته لا تبدو تابعة للنص المقدس قرآنا، وآثارا نبوية، صحيح أنها تتقصد أن تكون جزءا منه، تابعة له تدور في مداره، إذ هو أساسا يتخذ تلك النصوص متكآت أو منصات إطلاق لنصوصه لكننا حين نخضعها للمعاينة الدقيقة ستبدو تبعيتها للنص المقدس مجرد سمة تتصف بها هذه الكتابة، فإذا استعرنا بعض مفاهيم رولان بارت فإن ابن حشيبر هنا يحول النص المقدس إلى أنثى يمثل الاشتغال عليه أو استدعاؤه بتلك الكيفية نوعا من اللذة”.

ويتحدث الجيلاني في مقدمة كتابه “منثور الحكم” عن سبب جهل القارئ وحتى المثقف اليمني بأثر مهم كهذا الذي قال إن تحقيقه يعدّ حدثا استثنائيا، لأهميته من جهة، ولكونه نموذجا مميزا للكتابة الإشارية في التصوف اليمني من جهة أخرى، كما يعده الجيلاني ردا آخر على سؤال طرحته عليه مجموعة من الكتاب والمثقفين اليمنيين بعد صدور “جدي على ثدي”، وهو مختارات نثرية صوفية قدمها أدونيس في العدد (74) من كتاب في جريدة (أكتوبر 2004). وكان السؤال: لماذا لم يختر أدونيس شيئا من شذور المتصوفة اليمنيين؟

ويجيب الجيلاني على هذا السؤال بالقول “لأن التراث الصوفي اليمني قد ظلم وهمّش ولم يتم الاشتغال به تحقيقا ودرسا وتقديما”.

15