علوان الجيلاني: الكتابة تشعرني أنني لا زلت حيا

الأحد 2016/05/22
علوان الجيلاني: شاعر وباحث ومثقف يومي

شاعر وناقد وباحث أنثروبولوجي أثرى المكتبة العربية بالعديد من الكتب، ينطلق من فلسفة خاصة في كتاباته الإبداعية والنقدية ويسعى لتقديم الكثير من أبناء جيله والأجيال اللاحقة الذين حالت ظروفهم الشخصية أو ظروف بلدهم الذي تطحنه الحرب والأزمات المتتالية دون أن يأخذوا نصيبهم من الكتابات التي تسلط الضوء على تجاربهم الإبداعية والإنسانية.

وإلى جانب كتبه النقدية والأنثروبولوجية قدم علوان الجيلاني نفسه للمشهد الشعري من خلال خمسة دواوين شعرية بدأت من “الوردة تفتح سرتها” الذي صدر عن دار أزمنة في العام 1998، ومروراً بـ”راتب الألفة”، “إشراقات الولد الناسي”، “غناء في مقام البعد” وصولاً إلى “كتاب الجنة” الذي صدر عن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين عام 2004.

يتحدّث الشاعر والناقد اليمني علوان مهدي الجيلاني لـ”العرب” عن جوانب من تجربته وكيف أثّرت الحرب على المشهد الثقافي اليمني، تلك الحرب التي يقول إنها عصفت بالجميع ومزّقت النسيج الاجتماعي وأشاعت نوعاً من عدم الثقة بين الناس وعدم الإيمان بالمستقبل ونشرت شعوراً عاماً بالإحباط والخوف والتوجّس والموات.

وعن انعكاس هذه الحرب على المشهد الثقافي يقول الجيلاني “الحرب حطمت المشهد الثقافي، لا أتحدث عن أبواق الحرب التي تتزيّى بزيّ الإبداع فتلك أصوات تدافع عن هيمنة وتسلط مركزي كانت دائما جزءًا منه، وكانت دائما تشعر أنه إرثها الذي يجب أن تنافح عنه، لكنّي أتحدث عن المشهد الثقافي اليمني في عمومه وفي أصواته المعبّرة عن الشعب وعن تطلعاته المشروعة ومكابداته الحياتية وإنسانيته المهدورة..

عن النسيج الجمعي للمشهد الثقافي اليمني الذي ظل رغم الفقر والارتكاسات وانعدام الإطار المؤسسي، يبدع وينتج ولا تكاد في مدينة كصنعاء تلاحق فعالياته اليومية أو تدافع غواية مقايله وتجمعاته المبهرة، لقد ظل المبدع والكاتب اليمني رغم كل شيء ينتج محافظاً على الحد الأدنى من تماسكه الاجتماعي وإنسانيته وسلامة روحه التي كان يضمنها قدر من التواطؤ العام على احترام التعدد في إطار الواحد، لكنّ الحرب مزّقت كل شيء وأنشبت أظفارها في بقايا ذلك النسيج فمزّقته، فلم تعد النزعات الجهوية والمناطقية شيئا مخجلا، بل صار الوطني الكليّ هو المخجل، وتعدّت الأمور ذلك إلى بروز الطائفية المقيتة بكل ميولها إلى الإقصاء والإلغاء والتوحش واستباحة الدماء والاستهانة بالوشائج واستهداف الرموز، وصار المشهد الثقافي يخوض في مستنقع آسن موحل من الحزازات والبغضاء والحساسيات والرفض المؤلم للآخر”.
ظل المبدع والكاتب اليمني رغم كل شيء ينتج محافظاً على الحد الأدنى من تماسكه الاجتماعي وإنسانيته وسلامة روحه التي كان يضمنها قدر من التواطؤ العام على احترام التعدد في إطار الواحد

لا شيء في ملاعب الذات

وعلى عكس بعض المقولات حول اعتبار هذه البيئة الحافلة بالبؤس والصراح قداحة للكتابة الإبداعية يذهب الشاعر علوان مهدي الجيلاني إلى أن هذا الواقع حدّ كثيرا من قدراته على الكتابة حيث يقول “شخصياً أنا من ذلك النوع الذي تنمو تجربته وتزدهر اشتغالاته في أوقات الاستقرار والسلم، اشتغالاتي الإبداعية المتعلقة بالشعر ترفض الكراهية والحقد، فأنا لا أجيد التجديف في بحر من العداوات والدماء المراقة، أما اشتغالاتي النقدية والبحثية سواء تلك المتعلقة برصد المشهد الثقافي في تبرجاته المختلفة أو تلك المتعلقة بالتوثيق والدراسات الثقافية والموروث الشعبي والروحي، فهي اشتغالات مؤسسية أو شبه مؤسسية بمعنى من المعاني، أي أنها تحتاج إلى استقرار وأمان مع توفّر لقمة العيش ووجود خدمات المواصلات والماء والكهرباء وسهولة التواصل مع المصادر التي تعتمد عليها تلك الاشتغالات، وهذا كله لم يعد موجوداً ناهيك عن الحالة النفسية التي أصبحت أمرّ بها كمشرّد لا يملك لنفسه ولا ولوطنه شيئاً، هذه الحرب بضجيجها المزلزل وفعلها الشنيع طغت على أصواتنا وخنقت طموحاتنا وأوقفت نهر التداعيات الذي كانت تسيل فيه اشتغالاتنا بسلاسة لم يكن يعكّرها أحيانا إلا العوائق المادية. اليوم تجاوزت المسألة البحث عن تمويل طموح يوفّر سنوات من الانتظار لإنجاز مشروع ما، لقد توقفت المشاريع ولم تعد ثمة قدرة أو نفس لتنفيذها، لا شيء في ملاعب الذات غير القلق والخوف والوجس والشعور بأن كل شيء يذهب أدراج الرياح”.

الاحتفاء بتجارب الآخرين

يقول الجيلاني إن صخرة الحرب عكّرت صفو المشهد وسدّت مجرى الإبداع المتدفق لديه ولدى الكثير من أبناء جيله، وهو الأمر الذي حال دون قدرته على الكتابة الشعرية ويجيب بمرارة عن آخر كتاباته الإبداعية قائلا “لا جديد منذ عام إلا ما أحاول إرغام نفسي عليه إرغاما من كتابات سريعة آنية على مواقع التواصل الاجتماعي، أو محاولات غير ناجحة في الغالب لمراجعة ما قد أنجزت في فترات سابقة -وهو كثير- بهدف تجهيزه للنشر، وتحت ضاغط الشعور بوجوب تذكير نفسي أنني لا يجب أن أنهزم وأن لديّ رسالة يجب أن تصل وأن يتم إنجازها، ثم محاولات إقناع نفسي بالتفكير في الحرب بوصفها جزءا من حياة المجتمعات والشعوب عبر التاريخ كانت تحدث، لذلك يجب ألا ندعها تقهرنا بل يجب أن نقهرها وأن نواصل الكتابة والإبداع والبحث والاشتغال حتى ولو بتغيير أساليبنا، لذلك كله لجأت إلى نوع من الكتابات القصيرة غير المشبعة أحتفي من خلالها بتجارب إبداعية لم يسبق لي تناولها.. أنشر ذلك بشكل متواصل على صفحتي فيلقى صدى عجيبا وتعيد بعض المواقع والصحف نشره وهذا يسعدني كثيراً ويشعرني أني لا زلت حياً “.

صخرة الحرب عكّرت صفو المشهد وسدّت مجرى الإبداع

رحلة في النصوص وجمالياتها

أنجز الجيلاني الكثير من الدراسات والأبحاث في مجال التراث الشعبي اليمني وتحديدا تلك التي توثّق للكثير من جوانب الحياة اليومية في تهامة اليمن وصدر له كتاب بعنوان “امّناجي ثواب.. وكوميديا الألم” الذي يسلط من خلاله الضوء على حياة واحد من أبرز الشعراء الشعبيين في تهامة، وعن جوانب من ولعه بالكتابات المتعلقة بالتراث الشعبي يقول “الاستفادة من معطيات الأنثروبولوجيا وإمكانياتها في دراسة تراثنا ومجتمعنا -خاصة وهو مجتمع لا يزال بكراً لم يدرس بعد ولم يوثق كما يجب عدا جهود غير مكتملة، بما فيها جهدي- تبدو أمرا لازما لذلك فإن توثيق ودرس العادات والتقاليد والأزياء والملابس و’المشاقر’ وأدوات الزينة، والسياقات الثقافية والدينية والبيئية والزراعية والطبيعية بشكل عام، إضافة إلى جيراننا في الطبيعة من طير وشجر وحجر، كل ذلك مهم جداً للباحث إلى جانب اعتماد كل وسائل التوثيق المتاحة من التسجيل الصوتي والتصوير الفوتوغرافي والفيديو والكتابة وتعدد الرؤى وتنويع المصادر، إضافة إلى فهم اللهجة والمعرفة ببنيتها المعرفية والتحويلية وتاريخ تطورها، وتبدلات الحياة الاجتماعية وانتقالاتها تبعاً للتطور الاجتماعي والثقافي والاقتصادي السلبي منه والإيجابي يعتبر مهماً جداً وتعتبر الأنثروبولوجيا بالذات مقترباً مهماً له، ولذلك ستجد أن هذا الكتاب وغيره من الكتابات بمقدار ما هي رحلة في النصوص وجمالياتها هي أيضاً رحلة في الأشخاص وسيرهم وفي الأماكن وناسها وجوّهاً وأرواحاً معتقداً وثقافة وسلوكيات، مقولات ومأثورات في كل تجلياتها، أعتقد أن هذه هي الإضافة التي تتجاوز -إن صح لي أن أقول ذلك- بعض الجهود التي وقفت عند التقعيد اللغوي واحتفلت بشكل خاص بأوزان الشعر ورصدت بعض ألوانه المتجلية في بعض الرقصات والمظاهر الشفاهية”.

تجارب مميزة

تجربتان مميّزتان اشتغل عليهما علوان مهدي الجيلاني خلال السنوات الأربع الماضية وهما كتاب “الملامتية” و”سيرة الموسيقار ناجي القدسي” وتم نشر أجزاء من تلك التجربتين من خلال بعض الصحف والمواقع الثقافية، وعبّرتا عن عمق تجربة الجيلاني الثقافية، وعن التجربتين يقول “هاتان التجربتان ومعهما تجربة ثالثة هي عمل نقدي ثقافي تاريخي اسمه ‘جغرافيا طلليّة’ أعتز بها كثيراً كوني استطعت إنجازها جميعا (التجارب الثلاث) في غضون الأعوام الثلاثة بين مطلع عام 2012 ومطلع عام 2015، وهي فترة صعبة أعقبت هيجانات الشوارع عام 2011، وحفلت بكثير من الزلازل الأمنية والاقتصادية والارتباكات الحياتية، مع ذلك كان هناك أمل وبرغم غياب التيار الكهربائي معظم الأوقات واعتمادي التام منذ سنوات على الكتابة مباشرة على الكمبيوتر إلا أنني أرغمت نفسي على استعادة القلم وبالقلم.

وسطرت سيرة الموسيقار العظيم ناجي القدسي على ثمانمئة صفحة في جلسات متواصلة معه مسحوراً بعبقرتيه وفلسفته المذهلة، سعيدا بكوني أستعيده وأعيده إلى الحياة مرة أخرى. فلم أفعل ذلك وحسب بل استنفرت مجموعة من زملائي ونفذت معهم سلسلة كتابات وصل صداها إلى السودان حاضنة إبداعه الحقيقية حيث حظيت بتفاعل غير عادي ثم أعقبناها بفيلمين وثائقيين عنه وعدد من المقابلات التلفزيونية له والجلسات الموثقة معه ووضع قاعدة بيانات كاملة لأعماله الفنية، وحين رحل ذلك العظيم بعد ثمانية عشر شهرا من رحلتي معه كان سعيدا جدا وكنت سعيدا أيضا وأنا أرى فضائيات العالم تتسابق لتغطية حدث رحيله، لكن إصدار سيرته الضخمة بطريقة لائقة تحتاج مالا كثيرا ليس في وسعي الآن توفيره، لذلك لم تصدر سيرته حتى اللحظة.

وبنفس الشغف اشتغلت عاماً كاملا على كتاب “ملامتية” مقدما فيه ثلاثين شخصية يمنية ذات منجز عظيم بعضها في مجال الإبداع وبعضها في المجلات الثقافية والتاريخية والحقوقية والصحفية، وأزعم أني اشتغلت عليهم بطريقة تجمع بين السيرة والدرس الأدبي والمقاربة التاريخية والسياق الاجتماعي بلغة سردية تعجب القارئ وتلقى رواجاً جيداً، فعندما اجتاح الحوثيون صنعاء كنت على وشك إنهاء الكتاب، ثم أوقفتني صدمتهم أربعة أشهر وبعد استيعابي للوضع عاودت الكتابة، وكان آخر ما نشر من الكتاب على صفحات الصحف يوم بدء القصف على صنعاء.

15