على أوروبا حل مشكلة الإسلاميين أولا

الخميس 2016/12/22

كيف تحوّل مجتمعا ليبراليا ديمقراطيا إلى بيئة حاضنة للإرهاب؟ ما عليك سوى أن تتبع خطوات مجرّبة. قسّم المجتمع إلى هؤلاء الرافضين لفكرة الإرهاب والتجاوب مع أهدافه، وهؤلاء المستعدين لمعاداة المسلمين خصوصا. ستظل المجموعة الأكبر التي تضم المترددين في المنتصف. هؤلاء سيكونون الهدف الأساسي للتحرك التالي.

نجاح المتشددين يكمن في فهمهم لطبيعة المجتمعات الأوروبية. البسطاء الذين يسيرون في شوارع لندن أو باريس أو برلين ويرون النساء اللائي يرتدين النقاب يشعرون بغربة في بلدهم. هذا النقاب ليس غطاء للوجه فقط بالنسبة إلى هؤلاء. هذا حاجز مرتفع بين ثقافتين.

الهجوم الإرهابي الذي أوقع 12 مدنيا في برلين هو نتاج طبيعي لتجاوب الحكومات الأوروبية مع استراتيجية داعش. الأوروبيون يفهمون أن الإسلاميين لا يريدون التعامل مع مجتمع تحكمه قيم الديمقراطية بفلسفتها الليبرالية المنفتحة. لا يفهم المتطرف هذه اللغة المعقدة.

كل ما يريده أي متطرف لإنجاز مهمته هو مجتمع غربي يحكمه يمينيون لا يختلفون عنه كثيرا. كلما صعد اليمين كانت اللغة أسهل وأوضح.

لا يفعل الأوروبيون أي شيء سوى أنهم يسهلون للمتشددين مهامهم. المسؤول الأوروبي اليوم يشعر أنه محاصر من قبل معضلتين لا يملك أي حلول لهما. مشكلة التطرف الإسلامي الذي عكف عليها عقودا كي يحاول أن يفهمها، ومشكلة التطرف اليميني التي ظل عقودا يحاول تجنبها.

ما هو المتوقع من سياسي يتعامل طوال الوقت مع مسلم لا يريد الاندماج في المجتمع، ومواطن لا يريد قبول هذا المسلم الغريب عنه في كل شيء. طريقة الحياة والملبس والطعام واللغة والدين لا تتوافق مع المحيط الأكبر. الصدام يحدث عندما تصطدم فلسفة المسلم المصر على زج الدين في كل سلوك يومي صغير، وعقلية الأوروبي الذي حسم علاقته بالدين منذ قرون.

المسؤول الأوروبي اليوم يشعر أنه محاصر من قبل معضلتين لا يملك أي حلول لهما؛ مشكلة التطرف الإسلامي الذي عكف عليها عقودا كي يحاول أن يفهمها، ومشكلة التطرف اليميني التي ظل عقودا يحاول تجنبها

انتهى الأمر في النهاية إلى وضع معكوس. رجل الدين الجالس في المسجد تمكّن مع الوقت من كسب نفوذ واسع على المسلم العادي، مخالفة لتعاليم الإسلام التي لا تعترف بالكهنوت. في المقابل لا يحظى رجل الدين المسيحي منذ زمن بهذا التأثير على المسيحيين، رغم الصلاحيات التي منحته إياها تعاليم المسيحية.

من أوصل المجتمعات الأوروبية إلى هذه الحالة؟ تيارات الإسلام السياسي.

جماعة الإخوان المسلمين والجمعيات السلفية التي صارت منتشرة في كل مكان همهما الوحيد هو أسلمة هذه المجتمعات. لعل الهدف من وراء محاولاتهما الدؤوبة هو زيادة عدد المسلمين في أرض “العدو البعيد”. ما الهدف الموضوعي من وراء هذه الكثرة العددية؟ لا أحد يدري، المهم أن يصبح عدد المسلمين في زيادة.

لعل البحث عن النفوذ كمقدمة لتحقيق حلم الخلافة هو سبب آخر. المهم هو أن هذه التيارات تعمل ليل نهار على إقناع المزيد من الأوروبيين بالدخول إلى الإسلام.

المشكلة هي أن المنضمين الجدد يصبحون مع الوقت روبوتات تنفذ ما تعرفه فقط.

إذا قمت بحشو البرنامج المسؤول عن تشغيل الروبوت بأفكار تعظم “الجهاد” وضرورة رفع السلاح في مواجهة “الكفار”، ستجد الروبوت يحمل تلقائيا السلاح ويطلق النار على كل من يقابله.

نتيجة ترك الحكومات الأوروبية لهذه التنظيمات تعمل دون توقف، كانت خلق آلاف الروبوتات التي لا تفهم شيئا سوى كراهية المجتمعات التي تعيش فيها.

مع الوقت انضم إلى هؤلاء المسلمين الجدد، مسلمون قدامى من بلدان الشرق الأوسط. هؤلاء جاهزون ولا يحتاجون إلى عناء لإقناعهم بأن الأوروبيين “كفار”. أخذت مظاهر الحجاب ثم النقاب تنتشر تدريجيا. مطاعم الأكل الحلال صارت تهيمن على اقتصاد مناطق بأكملها.

في بعض شوارع لندن مثلا، تجد أحيانا مسلمين من أصول أفريقية يقفون بجوار مكبرات صوت تصدح بتلاوة آيات قرآنية بصوت مدوّ. على الجانب الآخر من الشارع يقف رجال شرطة مهمتهم مراقبة المشهد من بعيد. هذا موقف كفيل بأن يبعث جوّا من التوتر في الحي بأكمله.

ثم جاءت أزمة اللاجئين. السوريون والعراقيون والأفغان والإيرانيون الذين عبروا البحر وخاطروا بحياتهم وحياة أسرهم، كانوا يعتقدون أن عناء الرحلة ينتهي بمجرد الوصول. المفاجأة كانت عندما اكتشفوا أن مكانهم مضمون فعلا على الأراضي الأوروبية، لكن من دون أن يكون لهم مكان حقيقي في وجدان مجتمعاتها. وسع ذلك من “الغيتوهات الإسلامية” التي كانت موجودة أصلا، وضاعف عددها.

صارت شائعة تقول إن مسلما سكن في أول الشارع كفيلة باستنفار كل السكان. الجميع يعرف أن أقارب هذا الساكن الجديد سيلحقون به بعد قليل، وأن مطعما وجزارا يبيع اللحم الحلال سيفتحان في الشارع قريبا.

ليس ذنب الساكن الجديد أن باقي الجيران لا يريدون غيتوه جديدا في منطقتهم. المشكلة أنهم يتأثرون بكل الحكايات عن المسلمين التي صارت أفلام رعب حقيقية.

الأسبوع الماضي أعلنت الشرطة الألمانية أنها أحبطت عملية إرهابية كان يخطط لها طفل في الثانية عشرة من عمره. هذا الولد هو مثال على توغل الإسلاميين المريع في المجتمع. الذي يحدث هو أن هذه التنظيمات تسيطر على مسجد الحي، أو تبني مسجدا جديدا مقاربا له. بعد ذلك تبدأ المجموعة المسؤولة عن المسجد في رصد الأولاد الصغار الذين يترددون بشكل دوري على المسجد. ثم تبدأ مرحلة التجنيد.

الآباء عادة ما يكونون سعداء بتدين أبنائهم، ومواظبتهم على الصلاة في المسجد، والسلطات مطمئنة لأن الولد مازال صغيرا، ومن الصعب أن ينضم إلى تنظيم إرهابي في هذا العمر المبكر.

الحقيقة هي أن شيئا لم يعد صعب التحقق. لا بديل أمام الغرب عن المواجهة. ستحتاج هذه العملية الصعبة وقتا طويلا وتغييرا جذريا في الاستراتيجيات والتشريعات الحاكمة لعلاقة الأقليات بالمجتمع الأوسع، وإعادة المسؤولين الغربيين النظر في كل ما كانوا يعتقدون أنهم يعرفونه عن الإسلاميين.

كي لا يتكرر حادث برلين في مكان آخر، على أوروبا أن تقف الآن وتراجع نفسها. الانحدار نحو المزيد من التطرف لن ينتج إلا تطرفا مقابلا، والتساهل مع الإسلاميين لن يفضي إلى شيء سوى المزيد من العمليات الإرهابية.

كاتب مصري مقيم في لندن

7