على أوروبا علاج بريطانيا بدلا من عقابها

الجمعة 2017/10/20

إذا كنت تعيش في لندن، أو مررت بها زائرا، فجرب أن تزور مبنى البرلمان وتنظر في وجوه السياسيين أو الموظفين. لن تجد صعوبة في تلمس الإحباط الذي يكاد ينتقل من مجرد شعور شخصي، إلى غبار يملأ غرفة السياسة برمتها.

الإحباط هو مفهوم ملتبس، لا تقف أسبابه فقط عند الفشل الشخصي، لكنه يصبح مضاعفا إذا لجأ الشخص إلى كتمان فشل، يدرك أبعاده جيدا، لكنه لا يريد أن يعترف به أمام الآخرين.

بريطانيا تعيش محاولة جماعية لكتمان إخفاق على المستوى الوطني. المجتمع يعرف أن قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي كان خطـأ تاريخيا، لكنه لا يـرغب في تصديق ذلك.

عقلية إنكار الواقع هي المتحكم الرئيسي في سلوك رئيسة الوزراء تيريزا ماي ودوافعها خلال القمة الأوروبية التي بدأت أمس، وتستمر فعالياتها اليوم. ثمة مراوغة لتفادي مواجهة الحقائق، التي تريد فرنسا وألمانيا وضع البريطانيين أمامها.

مشكلة المفاوضين البريطانيين في هذه المفاوضات المعقّدة هي أنهم يضعون تصوّراتهم المسبقة عن موقعهم من أوروبا والعالم على الطاولة، قبل أن يجلسوا هم شخصيا إليها.

هذه التصوّرات تجعل السياسيين يخوضون تجربة الخروج من أوروبا، بأفكار ثابتة قائمة على إيمان حقيقي بأنهم لم يكونوا يوما جزءا منها. هذا السلوك هو انعكاس لعلاقة معقّدة دامت عقودا، فشلت خلالها أوروبا في احتضان بريطانيا، أو إقناعها بالاندماج فيها.

نعم، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو أزمة هوية بالأساس. بريطانيا كانت دوما مهاجرا، ولم تكن جزءا من المجتمع الأوروبي. أوروبا الموحدة لم تكن فكرة مقنعة للعقلية السياسية البريطانية، التي لطالما نظرت إلى الاتحاد كسوق يصلح للبيع والشراء ورفع معدلات النمو الاقتصادي، لكنه غير كاف لأن يكون وطنا.

قد يكون هذا تفسيرا مقنعا لمنطلق إصرار ماي على جر الأوروبيين إلى عقد اتفاق تجارة مستقبلي، من دون الانتظار لحين إنهاء المرحلة الأولى من المفاوضات. أوروبا تريد أن تعرف، قبل التجارة مع دولة، كيف سيكون شكل هذه الدولة أولا. كما حسم البريطانيون نظرتهم للاتحاد باعتباره سوقا ليس إلا، يريد الأوروبيون أن يحسموا نظرتهم إلى بريطانيا أيضا.

من بين هؤلاء الأوروبيين 3 ملايين يعيشون على الأراضي البريطانية. حسم مصير هؤلاء لم يكن محل نقاش قبل بدء المفاوضات، لكن الانتهازية التي شكلت شخصية حكومة ماي، حولت مصيرهم لاحقا إلى موضع مقايضة.

التوصل لاتفاق بشأن حقوق الأوروبيين في بريطانيا سوف يفسح الطريق أمام وضع رؤية للحدود بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا، العضو في الاتحاد، ويسهم في إنهاء الخلاف بخصوص “فاتورة الطلاق”.

ماي مدركة أن رحلتها إلى بروكسل بلا معنى. ليس لدى الأوروبيين ما يساعدون به بلدا لا يريد مساعدة نفسه. بروكسل لا تريد أن تخاطر بعقد اتفاق مع رئيسة وزراء قد تسقط في أي لحظة. ماي في نظر الأوروبيين ليست أكثر من “امرأة ميتة تمشي على الأرض”.

خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو أزمة هوية بالأساس. بريطانيا كانت دوما مهاجرا ولم تكن جزءا من المجتمع الأوروبي. أوروبا لم تكن فكرة مقنعة للعقلية السياسية البريطانية، التي لطالما نظرت إلى الاتحاد كسوق يصلح للبيع والشراء

هذا الالتباس في الموقف التفاوضي لم يترك خيارا أمام أوروبا سوى إجراء محادثات سرية مع زعيم حزب العمال جيرمي كوربين، الذي بات يُنظر إليه باعتباره “رئيس وزراء تحت الطلب”.

الأوروبيون أدركوا التحول الجذري الذي حصل في بريطانيا. من أهم انعكاسات هذا التحول هو أن تيريزا ماي، التي كانت أكثر المؤيدين للبقاء في الاتحاد، صارت أقوى المناصرين للخروج منه، وكوربين الذي كان أكبر المشككين في جدوى البقاء، تحول إلى أكثر المدافعين عن ترتيبات سلسة مع الاتحاد.

ليست هذه هي المشكلة فحسب. المشكلة الحقيقية هي أن نصف المجتمع، المكوّن من المناصرين للخروج، يعرفون أن ماي سياسية فاشلة، لكنهم “يخشون كوربين”.

السياسيون في الحكومة والبرلمان يدعمون ماي باعتبارها “قائد الضرورة”. الموضوع يمكن تلخيصه ببساطة في أن أحدا لا يريد أن يكون مكان ماي الآن، أو أن يتحمل مسؤولية سفينة بريكست التي بدأت المياه تملأ كل جوانبها، لكنهم في نفس الوقت “يخشون كوربين”.

صعود كوربين كان من المفترض أن يتسبب في انهيار حكومة ماي، خصوصا بعد نتائجه غير المتوقعة في الانتخابات التي أجريت في يونيو الماضي. بدلا من إسقاط حكومة المحافظين، تسبب هذا الصعود في تثبيت ماي في موقعها.

الموقف أدير بشكـل نفعي وبالورقة والقلم. كبار حزب المحافظين ارتأوا أن الاحتفاظ بالكعكة، حتى لو كانت مسمومة، أفضل من الخروج بلا شيء، لكنهم في نفس الوقت تركوا ماي تأكل الكعكة المسمومة بمفردها.

هذا يعيدنا مرة أخرى إلى الإحباط النابع من إنكار الواقع خشية من المجهول الذي قد يأتي بعده. مناصرو بريكست صاروا مغلوبين على أمرهم. هؤلاء هم أنفسهم الذين كانوا يفضلون قبل ستة أشهر “القبول بركوب سفينة يقودها قبطان بريطاني منفرد حتى لو كانت تغرق، والقفز من أعظم سفينة في المحيط يقودها بريطاني ومعه أوروبيون”.

ليس صحيحا أن أوروبا لا تفهم ذلك، أو لا تعيره اهتماما. إذا كانت ثمة عقلية انعزالية ناتجة في بريطانيا عن العيش فوق جزيرة، فشعار أوروبا هو تعويض انسياب التاريخ بتماسك الجغـرافيا. وإذا كـانت القناة الإنكليزية قد شكلت حاجزا نفسيا عند البريطانيين تجاه أوروبا، فهي نفسها قناة الاتصال في نظرة الأوروبيين إلى بريطانيا.

هل تعي ماي تلك الحقائق؟

الواقع يقول أن الأبواب التي تغلقها رئيس الوزراء البريطانية على نفسها كل يوم جعلتها غير قادرة على رؤية التغيرات التي تحدث في أوروبا، واستشراف شكل القارة في المستقبل. هذه الأبواب قد تمنع الأيادي من الامتداد إلى الكعكة، لكن هذا لا ينفي أنها ستظل مسمومة.

فوز إيمانويل ماكرون برئاسة فرنسا ساعد أوروبا على التمسك بقيمها. طريف أننا بدل الحديث عن صعود اليمين الشعبوي المتطرف، صرنا نحتفي بصعود التيار الليبرالي الوسطي. لا بأس، طالما أن ذلك سيدفع اليمين إلى طريق مسدود.

قيادة ماكرون لفرنسا، وتماسك المستشارة أنجيلا ميركل في ألمانيا، جعلا مقاربات ماي تبدو وقد عفى عليها الزمن. هذا يجعل النظرة مزدوجة بين الجانبين. أوروبا ترى حكم ماي من الماضي، وماي ومعسكر البريكست يرون الاتحاد الأوروبي كيانا من الماضي. معادلة صفرية لا تصب في صالح أحد.

هذا الجمود سينتهي بمجرد تخلّي كل أنصار الخروج عن إنكارهم للواقع، والبدء بتقديم تنازلات.

تيريزا ماي، ومعها حكومة المحافظين، سيكونان أول ضحايا هذه التنازلات. وقتها لن ترى نظرة الإحباط في عيون الناس وأنت على بوابة البرلمان، وستعود بريطانيا إلى موقعها وما كانت تمثله في العالم قبل تاريخ بريكست المشؤوم.

كاتب مصري

9