على الدراما أن تستلهم التاريخ لا أن تشوّهه

مسلسل "قلب الذيب" تطرق إلى المقاومة التونسية للاستعمار الفرنسي، واعتبره النقاد تشويها لرموز التاريخ.
الأربعاء 2020/05/13
جهد في التصوير وغياب للحبكة والمصداقية

الكثير من الأعمال الفنية يقع استلهامها من التاريخ أو تقترح لنفسها زمنا سابقا لأحداثها، وإن كان الفنان غير مطالب بالالتزام الحرفي بالتاريخ فإنه مطالب بالمزاوجة بين الخيال والواقع، ولزام عليه أن يحترم الإطار الزمني والمكاني والتاريخي الذي وضعه لنفسه، لذا من غير المعقول أن يتم تصوير مسلسل مثلا على أنه من حقبة محددة بشخوصها وتواريخها وأحداثها ومن ثمّ يشوهها بالمغالطات.

 تونس – انتهت أحداث المسلسل التونسي “قلب الذيب” الذي بثته القناة الوطنية الأولى التونسية في 15 حلقة، والذي خلف جدلا واسعا بين المتابعين.

وكان هذا العمل، وهو التجربة الإخراجية الأولى للممثل بسام الحمراوي، قبل بثه محور حديث وسائل الإعلام وإطناب الناس في الحديث عنه وعن دور الدراما التلفزيونية لتكون وثيقة مصورة شاهدة على ملاحم وبطولات خاضتها المقاومة المسلحة التونسية (أو من يصطلح على تسميتهم بـ”الفلاقة”) بأسلحة خفيفة وبنادق صيد، مهّدت لرضوخ فرنسا إلى المفاوضات ثم إعلان استقلال تونس الداخلي يوم 1 جوان 1955 تلاه الاستقلال التام يوم 20 مارس 1956.

تشويه التاريخ ورموزه

نقاد تونسيون: مسلسل “قلب الذيب” تشويه خطير لتاريخ تونس
نقاد تونسيون: مسلسل "قلب الذيب" تشويه خطير لتاريخ تونس

قُبيل حلول هذا الشهر المعظم الذي يأتي في وضع استثنائي تعيشه تونس جراء الحجر الصحي الشامل توقيا من جائحة كورونا، أحدث “قلب الذيب” جدلا قانونيا حول أحقية بثه على القناة الوطنية الأولى العمومية أو قناة الحوار التونسي الخاصة، وبات حديث وسائل الإعلام التي روّجت له بطريقة غير مباشرة، فظلّ التونسيون، وهم ملازمون بيوتهم، ينتظرون بشوق أحداث هذا العمل بعد أن استقر بثّه على القناة الوطنية الأولى.

وللإشارة، فإن أحداث المسلسل تدور في فترة الأربعينات خلال الحرب العالمية الثانية وقبل استقلال تونس، ويتطرق إلى المقاومة التونسية للاستعمار الفرنسي سواء الشعبية (من خلال جماعة الفلاّقة) أو النقابية والسياسية، وكل ما يتعلق بتلك الفترة من أحداث اجتماعية واقتصادية وسياسية.

هذا العمل أثار بشدة حفيظة النقاد، لاسيما منهم الأكاديميين والباحثين في تاريخ الحركة الوطنية والتاريخ المعاصر، فقد أجمع عدد من المؤرخين على أن أحداث مسلسل “قلب الذيب” لا علاقة لها بالوقائع التاريخية الحقيقية، بل شوّهت رموز المقاومة المسلحة.

ففي الأعمال الدرامية التاريخية، عادة ما يقوم القائمون على العمل بإدخال قصّة خيالية، لكن في إطار تاريخي يقع تحديده واحترامه إخراجا وكتابة، وهذا الأمر مقبول في نظر الأستاذ خالد عبيد، وهو مؤرخ مختص في التاريخ السياسي المعاصر، الذي اشترط أن يتم ذلك تحت إشراف مستشار تاريخي يتحمل مسؤوليته كاملة فيما يخص المراجعة التاريخية للعمل.

ويعتبر خالد عبيد أن الخطأ الذي وقع فيه القائمون على “قلب الذيب” هو استعانتهم بـ”مستشار تاريخي” اسمه عزيز باي تولى مراجعة السيناريو، “إلا أن مكتسباته المعرفية والتاريخية في مجال الحركة النضالية لا تتجاوز معرفة سطحية حول حياة البايات وبالتحديد في فترة لمين باي، باعتبار انحداره من عائلته، وفق قوله، معبرا عن استغرابه من حذف اسم عزيز باي من جينيريك المسلسل بعد بث الحلقة الأولى.

ويعيب الأستاذ خالد عبيد على المسلسل وقوعه في العديد من الأخطاء. ويؤكد على أن المقاومة الجزائرية لم تساعد المقاومة التونسية في تلك الفترة بما أن الثورة الجزائرية اندلعت سنة 1954.

ويشدّد في السياق ذاته على أن فريق العمل على “جهل تام”، وفق توصيفه، بالوقائع التاريخية، قائلا “هناك شبه إجماع على أن ‘قلب الذيب‘ حرّف كليا أحداث المقاومة التونسية وشوّه تاريخها”.

ونبّه عبيد بشدة إلى خطورة مثل هذه الأعمال التي تتضمن “أخطاء غير مقبولة” على المتلقي العادي للدراما، موضحا أن العديد من التونسيين غير مطلعين بشكل كاف على التاريخ، “مما يجعل الأخطاء الواردة في العمل عالقة في أذهانهم على أنها أحداث وقعت بالفعل”.

ولا يعارض المؤرخ استلهام قصص من التاريخ، لكنه يؤكد على أهمية الالتزام بالإطار التاريخي للأحداث، مستشهدا في ذلك بأعمال جورجي زيدان وأمين معلوف.

ويضيف أيضا، في هذا الإطار، أن عددا من الأعمال التونسية التي استلهمت من التاريخ حققت نجاحا نسبيا رغم تضمنها بعض الأخطاء، مثل فيلم “ثلاثون” للفاضل الجزيري و”النخيل الجريح” لعبداللطيف بن عمار، لكنها “ليست بهذا القدر المكثف في مسلسل ‘قلب الذيب‘ الذي قدّم العديد من الصور المغلوطة عن مناضلي الحركة الدستورية، منها ترددهم على الكباريهات، وهو تشويه لرموز الحركة الدستورية قد تكون وراءه أغراض سياسوية”.

وتساءل باستغراب عن “استعجالية القضاء في البت في حقوق بث المسلسل بعد النزاع القانوني بين مؤسسة التلفزة التونسية وقناة الحوار التونسي الخاصة”.

وليس المضمون وحده ما أثار حفيظة المشاهدين، بل إن الخصائص الفنية المميزة لهذا العمل لم ترتق إلى المستوى الدرامي للأحداث التي بدت مصطنعة وغلب التسرع على مشاهدها.

حبكة درامية غائبة

قصص مرتبكة
قصص مرتبكة

ضمن هذا السياق، يلاحظ الأكاديمي والناقد السينمائي والفني أحمد القاسمي أن الحبكة الدرامية ضعيفة من أنواع ثلاثة هي “حبكة المشهد الواحد” و”حبكة الحلقة” و”حبكة العمل كاملا”.

ويُحلل القاسمي مجموعة من الحلقات التي تم بثها: فهو يرى أن المشهد الواحد يفترض أن يكون مقنعا، إذ لا تكون الأحداث مصطنعة.

ويُضيف أن التسرّع كان غالبا على عدة مشاهد، فضلا عن السيناريو الذي كان يميل إلى التخلص مما يواجهه من العقد بأيسر السبل، مثلا في مشهد مصطنع وغير منطقي “اجتماع سياسي، فتدخل الشرطة والمناضل (فتحي الهداوي) يقنع الشرطي بأن الاجتماع هو خطبة ثم حفل ختان فيقتنع الشرطي (أحمد الأندلسي) ويصفع الجاسوس لأنه لم يتثبت جيدا، فيكشف مصدره للمعلومات ثم ينتقم الثوار من هذا الخائن”.

وعن حبكة الحلقة، لاحظ القاسمي أن قاعدة البناء الدرامي للأحداث في الحلقة الواحدة ينبغي أن تكون ثلاثية البناء: أي بداية ثم تتصاعد الأحداث ثم تصل إلى ما يشبه الحل الذي يمهّد للحلقة المقبلة. أما في “قلب الذيب” فإن المَشاهد تتسلسل والأحداث تتقدم باستمرار على الوتيرة نفسها.

ويعتقد القاسمي أن هذا البناء الدرامي أُهمل في كتابة السيناريو أو أن المونتاج أفسد خطط الكاتب.

ولاحظ الناقد أن الأحداث قد غلب عليها “التسرع والسرعة والاصطناع إجمالا”، مما جعل المسلسل يفتقد إلى الحنكة التي تميّز الأعمال الدرامية الكبرى.

وعن الصورة التي ميّزت جل مشاهد العمل، يرى القاسمي أنه ثمة جهد في تشكيل الصورة عامة، معتبرا أن مسألة القتامة ليست عيبا دائما.

وأكد على أن وظيفة الصورة السينمائية هي تبليغ الرسالة عبر المشاهد والحركة بأقل ما يمكن من الحوار والثرثرة، لأن الفن السينمائي هو التعبير بالصورة أساسا، وهذا امتياز يضيف الكثير إلى المسلسلات.

وتساءل إن كانت هذه الوظيفة للصورة السينمائية قد تحققت كما ينبغي في “قلب الذيب”؟ وهل كان هذا العمل يعبّر بواسطة الصورة أساسا عبر التقطيع الفني والإضاءة والمشاهد الموظفة للتعبير عن الفكرة؟ ويعتقد القاسمي أن العمل ككل يميل إلى “الثرثرة عامة”، أو هو عمل تلفزيوني بإضاءة قاتمة.

“في المطلق ليس المبدع مؤرخا، ويمكنه أن يتصرف في المادة التاريخية ولا يحترمها، هذا خاصة في الكتابة الروائية وفي السينما. لكن المسلسل يقدم نفسه باعتباره واقعيا، يقدم عملا يفترض أنه وقع بالفعل ولجمهور مختلف”، هكذا تحدّث الأستاذ أحمد القاسمي عن العمل، مشدّدا على أن احترام التاريخ في هذا السياق واجب.

ويُعيب على المسلسل أنه يقدم للناس شخصيات ما قبل فترة الاستقلال بـ”عقلية 2020″.

ويعدّد القاسمي أمثلة على ذلك منها بالخصوص “هل يمكن أن يبكي الممرض في حضن حبيبته في 1950 وما قبلها”.

وفي معرض حديثه عن الحوار بين الشخصيات، قال إنه كُتب بلغة معاصرة، ومثال ذلك “هل يقول التونسيون في الخمسينات ‘لاباس في مخك أنت’؟”. وبيّن أن المسلسل لم يُجهد نفسه في منح الشخصيات هويّة لغوية تتناسب مع نفسياتها وطبقتها وعصرها. مؤكدا على أن “كاتب السيناريو هو من يتكلم بثقافته وعصره”.

يشار إلى أنه تم الاتصال بمخرج العمل بسام الحمراوي للحديث عن عمله الدرامي الأول على مستوى الإخراج “قلب الذيب”، لكنها لم تتلق ردا.

15