على الروائيين أن يجدوا مفتاح الشعر ويتعلموا الموسيقى

ميشيل بوتور يرى أن الرواية هي شكل خاص من أشكال القصة، والقصة تتجاوز حقل الأدب تجاوزًا كبيرًا، فهي أحد المقومات الأساسية لإدراكنا الحقيقة.
السبت 2019/07/20
كتابة متمردة على الكتابة القديمة (لوحة للفنان محمد خياطة)

ارتبط مفهوم الرواية الجديدة في فرنسا بالتمرد الذي أظهره روّادها على الشكل التقليدي للرواية، مدعمين هذا الرفض والتمرد بإثراء أعمالهم الروائية؛ حيث سعوا إلى الكشف عن أشكال جديدة تختلف عن تلك التي وجدت فيما مضى، ميزتها أنها تتماشى مع عصرنا هذا. وهو ما يكشفه بالتفصيل كتاب “بحوث في الرواية الجديدة” لميشيل بوتور.

  يمكن حصر ماهية الرواية الجديدة في مفهومين اثنين، الأول الرفض أو التمرد على الأشكال القديمة، والثاني مُتعلِّق بالبحث عن أشكال جديدة. فقد أضحت لدى رواد هذه المدرسة “حياة الإنسان أي الأحداث والزمان مقياس الكون، فمادة الفن ليست في الذات وإنما في الموضوع، أي أنها ليست في النفس الإنسانية وإنما في العالم الخارجي وكل ما يحتويه من أشياء ماديّة”.

وقد كان هدف الرواية الجديدة هو تجديد تقنيات الأدب الروائي، وقد ولدت في الأصل مع رواية آلان روب جرييه “المماحي”.

البحث عن الرواية

وأهم ما يميز هذه الرواية هو الوصف. تاريخيّا بدأ التفكير في الرواية الجديدة خلال الاحتلال الألماني لفرنسا، حيث تأسّست دار نشر صغيرة سميت “منتصف الليل” كانت تنشر كتبًا سرية ممنوعة، لأنها مضادة للاحتلال الألماني، يجري توزيعها عن طريق قذفها من الطائرات بواسطة مظلات.

يعدُّ ميشيل بوتور واحدًا من أهم روّاد مدرسة الرواية الجديدة، إلى جانب ناتلي ساروت وكلود سيمون وآلان روب جرييه، وروبير بانجيه، وجان ريكاردو. ولد في سنة 1926 وهناك من يشير إلى أن ولادته في عام 1920 في مدينة صغيرة شمال فرنسا. حصل على بكالوريوس الفلسفة سنة 1946، ورغم كتابته للرواية إلا أنّه أسهم في التنظير للرواية الجديدة، وإن كان يرى أنه ليست هناك مدرسة للرواية الجديدة، وإنما هناك حركات أدبية تعتبر في الحقيقة مدارس، لوجود أساتذة وتلاميذ.

تجديد تقنيات الأدب الروائي
تجديد تقنيات الأدب الروائي

مضى أكثر من ثلاثين عامًا على ترجمة كتاب “بحوث في الرواية الجديدة” لميشيل بوتور بتوقيع فريد أنطونيوس، والغريب أن القضايا التي طرحها الكتاب وقت صدور ترجمته أو حتى صدوره في بلد المنشأ، ما زالت هي ذاتها التي تدور حولها الكثير من النقاشات، والمؤتمرات الدوليّة على الرغم من جريان الكثير من تحت نهر الرواية، ونظرية الأدب. فقد اشتغلت الرِّواية بقضايا حداثية وما بعد حداثية أيضًا، إلى جانب دخول الرواية فضاء الرِّواية الرقميّة ومجال النشر الفردي الذي أتاحه وكلاء ومُحرّرون على شبكات الإنترنت.

ومع هذا فالتمرّد على الأشكال التقليدية للرواية، والذي كان منهجًا لمدرسة الرواية الجديدة في فرنسا آنذاك، ما زال هو الشاغل للكثير من الروائيين الآن، وأيضًا يبحث عنه النُّقاد في تلك المرويات التي أخذت صيغًا جديدة في الصدور، فلم تقف عند الإصدارات الورقية، بل صار منها التفاعلي وأيضًا الرقمي على منصات النشر الرقمي، بعد التحولات الجذرية في مجال النشر بصفة عامة، وما تبعه من إقبال شديد على الكتاب الإلكتروني.

في مقدمة الكتاب يرى ميشيل بوتور أن الرواية هي شكل خاص من أشكال القصة، والقصة وفقًا لتعريفه تتجاوز حقل الأدب تجاوزًا كبيرًا، فهي أحد المقومات الأساسية لإدراكنا الحقيقة، فنحن محاطون بالقصص دون انقطاع منذ أن نتعلم الكلام حتى موتنا. وهذا الأمر لا ينطبق على الإنسان فحسب، بل ينطبق كذلك على الأماكن.

وهذه القصص التي تتشكّل من حولنا تشدّنا كما يقول إلى قطاع خاص من الحقيقة. ومع أنه يمكن التثبّت من صحتها، قد يكون في هذه القصص اليومية ما يُخالف ما نراه في عالمنا اليومي، ومن ثم نجد أنفسنا أمام أدب خيالي أو أساطير وحكايات وهمية. والروائي يقدم لنا حوادث شبيهة بالحوادث اليومية، مسبغًا عليها أكثر ما يستطيع من مظاهر الحقيقة، مما قد يصل  حتى إلى الخداع. ولذا فما يقصّه الرّوائي لا يمكن التثبّت من صحته.

ويرى بوتور أن القصة الحقيقية تعتمد دائمًا على مصدر خارجي واضح كل الوضوح، ومن ثم فعلى الرواية أن تكتفي بإظهار ما تحاورنا به. ولذا يعتبر الرواية أسمى حقل للحوادث الحسيّة، وأسمى بيئة تُبحث فيها الطريقة التي تظهر لنا فيها الحقيقة، أو التي يمكن أن تظهر لنا فيها، ولهذا كانت الرواية مختبر القصة.

ويؤكد على أن الابتكار الشّكلي في الرواية بعيد كل البعد عن مناقضة الواقع كما يتخيّل، فالتفتيش عن الأشكال الجديدة الخياليّة، التي تتمتع بقوة استيعاب كبرى يلعب إذن دورًا ثلاثيًّا بالنسبة إلى مفهومنا للواقع بما فيه من إيضاح وارتياد وتطبيق، والروائي الذي يرفض هذا العمل، ولا يفرض على قارئه أي جهد خاص، ولا يجبره أبدًا على العودة إلى نفسه بالنسبة لإعادة البحث في الأوضاع المكتسبة يلاقي نجاحًا سهلاً. كما أن كل تغيير حقيقي في الشكل الخيالي، لا يمكن أن يقوم إلا داخل تغيير لمفهوم الرواية نفسها، التي تتطوّر ببطء.

ويشدّد بوتور على أن علاقة الرواية بالحقيقة التي تحيط بنا لا يمكن أن تتحوّل إلى هذا الواقع، فما تصفه لنا الرواية يمثّل جُزءًا خادعًا من الحقيقة، جزءًا مُنعزلاً تمامًا. وبناءً على هذا فالفرق بين حوادث الرواية وحوادث الحياة، ليس في أننا نستطيع التثبّت من صحة هذه بينما لا نستطيع الوصول إلى تلك إلّا من خلال النص الذي يظهرها فحسب، بل هي أكثر تشويقًا من الحوادث الحقيقية.

وإذ كان الكتاب يقدم تنظيرات نقدية لمفهوم الرواية، لكنه معني في جُزء منه بعملية التشكيل والصقل فيتحدث عن عملية خلق الرواية قائلاً “ليس الروائي هو الذي يضع الرواية بل هي التي تضع نفسها بنفسها، وما الروائي سوى أداة إخراجها، ومولّدها”، كما يشير إلى ما يحتاجه الروائي من علم ومعرفة وصبر وأناةٍ، لكي يصنع عالمه، وفي نفس الوقت يقدّم منافستو لعملية الكتابة ذاتها.

الرواية والشّعر

ميشيل بوتور يحدد سمات الرواية الجديدة ومن يكتبونها
ميشيل بوتور يحدد سمات الرواية الجديدة ومن يكتبونها

الاحتياج إلى الشعر كما يقول يأتي كنوع من التحايل، فلكل مجتمع صعوباته ومشاكله ومتناقضاته التي لا يمكن أن تحلّ مباشرة في الحقيقة، ولكن لا بد من تسكينها وتهدئتها على الصعيد الخيالي، فالكلام المقدس ضمانة للكلام العامي. والشعر هو الضمان الذي وجد لمعنى الكلمات وحفظها، إنه المفتاح المفقود. الخيال بالنسبة إلى الرواية هو التربة الصالحة للزرع، يمكن أن تنبت فوقها الروايات الكبرى وتزهر.

ويؤكّد على أننا إذا أعملنا في الرواية مقص المنتخب فسنعثر على مقاطع شعرية، مقاطع تبدو كأنها شعر منثور أو شعر منظوم. والرواية لا تكون شعرية بالمقاطع فحسب، بل بمجموعها، فالمقاطع لو فصلت عن مجموعها المرتبطة به فقدت الكثير من شعريتها، كما أنها مرتبطة بعنصر الأسلوب، فوفقًا لقول مالارميه “إن الشكل المسمى شعرًا لهو الأدب بكل بساطة، فكلما قوي الإلقاء ظهر الشعر، وكلما كان هناك أسلوب كانت الرّنة الشعرية”. وبالنسبة إلى الرواية، الشعر الخيالي هو الشيء الذي بواسطته تتمكن الحقيقة من أن تعي ذاتها لتنتقد نفسها بنفسها وتتبدّل.

إذا كانت الرواية لا تنفصل عن الشعر، فأيضًا لا تنفصل عن الموسيقى، فهما فنان يوضح أحدهما الآخر، وكما يقول بوتور “يجدر بالموسيقيين أن ينكبوا على مطالعة الروايات، كما يجدر بالروائيين أن يكونوا مطلّعين على بعض المفاهيم الموسيقيّة”.

الجامع المشترك بين الموسيقي والروائي أن الموسيقي يلقي بتأليفه في مدى ورقته المنظمة، فيصبح الخط الأفقي دليلاً على الزمن والخط العمودي دليلاً على مختلف الآلات، كذلك الروائي يستطيع أن يضع قصصًا شخصية عديدة في بناء مقسوم إلى طبقات، فتكون العلاقات العمودية بين الأشياء المختلفة أو لحوادث معبرة كما هي العلاقات بين الناي والكمان.

لا يتوقف بوتور عن الحديث عن تقنيات الرواية وممكناتها، حيث يوقف جزءًا مهمًّا بعنوان “بحوث في تقنية الرواية”، ويتحدّث عن الشخصيات والزمن والمدى، والسرعة والبناءات المتحركة وغيرها، وإنما يتوقف أيضًا عند الأثاث كعنصر أساسيّ داخل الرواية ودوره فيها، فهو يرى أن الأساس لا يلعب دورًا شعريًّا اقتراحيًّا فحسب، بل دورًا إيحائيًّا.

وبالمثل يتحدث عن استعمال الضمائر في الرواية، فالروايات تنوّع بين الضمير الغائب والمتكلّم، فأبطال الروائي ما هم إلا أقنعة يروي من ورائها قصته ويحلم من خلالها بنفسه، واستخدام الضمير المتكلم يجعل من الوهم حقيقة. كما أن الروائي في روايته لا يعتبر ضميرًا مُتكلِّمًا مَحضًا، وليس هو الكاتب بذاته، وكذلك الرواي هو نفسه شخص وهمي.

يرى بوتور أن الرواية تجاوزت التقسيم القديم الخاص بثنائية الجماعة والفرد، ويرى أن الرواية ليست مقتصرة على سرد مغامرات أفراد مقابل ما تقوم به الملحمة من سرد مغامرات جماعة، فبإمكان الرواية أن تقصَّ بواسطة مغامرات أفراد حكاية تحركات مجتمع بأسره. والبطل الروائي شخص يخرج من طبقة عامة الشعب أو البورجوازيين، ويتسلّق درجات المجتمع دون أن يتمكّن من بلوغ طبقة النبلاء، وإذا كانت الملحمة تظهر لنا أن المجتمع حَسَن التنظيم، فالرواية على خلاف ذلك، تناقض الطبقيّة الظاهرة للعيان، بأخرى خفيّة.

ويوقف جُزءًا من كتابه على الكتاب كمادّة، ويرى أن أهمية الكتاب تتمثّل في حفظ الكلام، وعلى شراء الكتاب وبيعه وكأنه معني بالجانب التسويقي، وأيضًا طباعته وشكل الكتاب وتصميمه، وما يحتويه من هوامش ورسوم وأشكال وفهارس.

15