على الشاعر الذي يريد أن يكتب مسرحا أن يمتلك صوتا ثانيا

الناقد المسرحي أسامة أبوطالب يشير إلى أن النموذج الشعري والنموذج الدرامي لا بد أن يظلا معا كنتاجين متكاملين لعمل خيالي واحد ولرؤيته باعتبارها أنموذجا موسيقيا كليا.
الأحد 2021/07/25
الشعر يهب المسرح روحه الملحمية (مسرحية "مسافر ليل" لصلاح عبدالصبور)

قدم الكثير من الشعراء تجارب هامة في نصوص كتبوها للمسرح ضمن مسار المسرح الشعري، لكن تجاربهم في الكتابة للمسرح تنوعت واختلفت أثناء محاولة التوفيق في مزج الذاتية والغنائية الشعرية بالفن المسرحي وما له من خصوصيات. هذا ما يرصده الناقد المصري أسامة أبوطالب في كتاب جديد يتقصى أهم خصائص المسرح الشعري عند رواده.

تكمن أهمية كتاب “المسرح الشعري الحديث” للناقد المسرحي أسامة أبوطالب في أنه أول نقد مسرحي أكاديمي علمي يكتب في موضوع المسرح الشعري الحديث، أما ما قبل الحديث أو ما قبل التفعيلة فلم يتعرض له، ليقدم دراسات تطبيقية منطلقا من قراءة وتحليل مسرح الشاعر علي أحمد باكثير الذي مثل فترة الانتقال وتغير الصورة أو المعبر والجسر، ثم الأعمال المسرحية لكل من عبدالرحمن الشرقاوي وصلاح عبدالصبور، ثم خمس تجارب مسرحية لخمسة شعراء هم محمد مهران السيد في مسرحية “وادي الملح” وشوقي خميس في “السندباد” ومحمد إبراهيم أبوسنة في “حمزة العرب” وعزالدين إسماعيل في مسرحيته الشعرية الوحيدة “محاكمة رجل مجهول”.

يتساءل أبوطالب في كتابه، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، إلى أي حد تعتبر القصيدة الغنائية معبرا أو جسرا يوصل الشاعر الغنائي إلى عالم الدراما؟ وهل الوصول إلى المسرح الشعري يتطلب مرورا تدريجيا على الصوت الشعري الأول الذاتي والثاني الملحمي داخل إطار القصيدة الواحدة قبل أن ينجح في الوصول إلى الصوت الثالث الموضوعي وتحقيقه في عمل درامي موضوعي متكامل؟

الدراما الشعرية

أول نقد مسرحي أكاديمي علمي يتناول موضوع المسرح الشعري الحديث

يقول الناقد “الأمر المؤكد أن مسألة المرور التدريجي للشاعر أو العبور من مرحلة كتابة القصيدة الغنائية الخالصة إلى مرحلة الإنجاز والنجاح في تأليف المسرحية الشعرية إنما تتطلب ضرورة التوقف في المنطقة الوسطى -أي احتواء شعره على ما سميناه بالعناصر الدرامية- ليس أكثر من مجرد توهم لا تؤيده شواهد كثيرة عالمية وعربية تثبت فشل شعراء كبار في كتابة مسرح شعري ناضج ومكتمل، كالذي أبدعه الإغريق ومن بعدهم وليم شكسبير وجان بابتيست موليير تحديدا وليس بيير كورني أو جان راسين أو ت. س. إليوت على الرغم من توافر قدر كبير من خصيصة الدرامية في قصائدهم الغنائية أو الذاتية الرائعة”.

ويضيف أبوطالب “كما ينطبق ذلك على نجاح غارثيا لوركا وصلاح عبدالصبور وليس أحمد شوقي أو عزيز عيد في تحقيق ذلك بالطبع. الأمر الذي يدفعنا إلى تأمل كل من تجربة عبدالصبور البالغة التنوع والثراء في إبداع القصيدة الغنائية، وأيضا في إبداع قصيدة الصوت الثاني الملحمي كي لا نضعها قاعدة تؤكد أنها كانت الجسر والمدخل للدراما الشعرية في حالته. في حين تكشف تجربة عبدالرحمن الشرقاوي في كتابة القصيدة الغنائية عن العكس تماما -لكونها عادية غير متميزة- وعن مباشرة وخلو تام لشعره من أي عناصر درامية. ورغم ذلك فقد استطاع أن يقفز إلى المسرح الشعري متخطيا هذا الجسر الوسيط فيكتب ‘ثأر الله’ بجزأيها كمسرحية شعرية ناجحة رغم أي نقد أو انتقادات، فضلا عن قيمتها الشعرية التي لا تنكر علاوة على بقية أعماله المسرحية الشعرية التي لم تكن القصيدة الدرامية مدخلا ممهدا لها”.

ويرى أن تجربة عبدالرحمن الشرقاوي للمسرح الشعري تختلف عن تجربة صلاح عبدالصبور في علاقة مسرحهما الشعري بقصائدهما الغنائية أو الذاتية اختلافا يثبت ويؤكد ما ذهبنا إليه من اختلاف الموهبتين عن بعضهما البعض؛ موهبة الشعرية الغنائية وموهبة الشعرية الدرامية وندرة اجتماعهما معا نظرا إلى اختلاف كل من العقليتين وتباينهما الذي يماثل الاختلاف نفسه بين موهبة أديب السرد -قصة ورواية- وموهبة الكاتب الدرامي مؤلف المسرحية الشعرية.

ويدعّم الناقد رأيه بمثال واضح عن القدرة الفائقة على كتابة القصة القصيرة والرواية لدى كل من نجيب محفوظ ويوسف إدريس، مقابل تواضع إنتاجهما في كتابة المسرح/ الدراما لأن لكل موهبة طريقها المختلف مثلما لها منبعها واتجاهها الإبداعي أيضا.

ويشير أبوطالب إلى أن المسرحية الشعرية كل عضوي والشعر فيها ليس تزويقا أو ترفا لفظيا تحلى به الدراما، بل إن النموذج الشعري والنموذج الدرامي لا بد أن يظلا معا كنتاجين متكاملين لعمل خيالي واحد ولرؤيته باعتبارها أنموذجا موسيقيا كليا.

ويؤكد أن الدراما الشعرية مطالبة بأن تقدم للمسرح ما لا تستطيعه الدراما النثرية دون أن ينصرف الذهن إلى أن وظيفتها أن تمتع الأذن بـ”الشعر” إلى جانب أحداث المسرحية، حيث ينبغي للشعر أن يبرز وجودها دراميا لا أن يتم إدراكه منفصلا كمجرد لغة تُسْتعمل أداةً للتعبير. ولا يجب أن يشعر المتلقي له شعورا مكتملا بأنه كذلك. كما لا بد من إدراك أن المسافة بين لغة المسرح النثرية وبين لغة الكلام العادية بعيدة قدر ابتعاد الشعر عنها، ولنا في شاعرية لغة أعمال أنطوان تشيكوف وأوجست سترندبرج وبعض أعمال هنري إبسن النثرية خير مثال على ذلك. إلا أنه في كل الأحوال وسواء كتبت المسرحية شعرا أم نثرا فلا يجب أن يقوم الفصل -في ذهن المتفرج- بين الدراما ولغتها، بل ينبغي أن يترك الأسلوب ووقع الكلام أثرا غير شعوري.

تجارب مختلفة

خطاب عالي النبرة
خطاب عالي النبرة

يقسم أبوطالب كتابه إلى بابين، يضم الأول فصلين ثانيهما يتناول تجربة الشاعر علي أحمد باكثير، والباب الثاني يضم ثلاثة فصول أولها يتناول الأعمال المسرحية لعبدالرحمن الشرقاوي “مأساة جميلة، الفتى مهران، وطني عكا، النسر الأحمر”، وثانيها الأعمال المسرحية لصلاح عبدالصبور “مأساة الحلاج، مسافر ليل، الأميرة تنتظر، ليلى والمجنون، بعد أن يموت الملك”، وثالثها عمل مسرحي لكل من الشعراء محمد مهران السيد ومحمد إبراهيم أبوسنة وشوقي خميس وعزالدين إسماعيل، ويختم بشهادة وقصيدة له عن صلاح عبدالصبور.

ويلفت أبوطالب إلى أن مسرح باكثير الشعري ليس نتاج التطور في شعره الغنائي أو الثورة على الصيغ التقليدية لهذا الشعر، بل هو ثمرة انفتاح على المسرح الشعري الأوروبي وشكسبير بالذات، هذا الانفتاح الذي أدى إلى التبعية.

 لكن تجربة باكثير لم تقف عند حد التخلص من القافية الرتيبة مع الاحتفاظ بالبيت الشعري بوحدته، بل امتدت إلى وحدة البيت نفسه فحطمتها، وكرس بدلا منها وحدة التفعيلة، وهنا تبين لباكثير أن أوزان الشعر المعروفة لا تصلح جميعا لهذا الشكل الجديد، وأنه لا يصلح منها إلا ما كان متجانس التفعيلات كالرجز والكامل والرمل والمتدارك.

ومن جهة أخرى عرف باكثير بالممارسة أنه لم تعد هناك ضرورة للالتزام في السطر الواحد بعدد ثابت من التفعيلات، فالجملة الحوارية قد تطول وقد تقصر وفقا لما يقتضيه الموقف، ومن ثم حلت الجملة الشعرية المنطلقة محل البيت المغلق.

ويرى الناقد أن المسرح الشعري الذي كتبه عبدالرحمن الشرقاوي هو مسرح سياسي يمثل تجربة كاملة متفردة من تجارب ذلك النوع لارتباطه الصادق الواعي بقضايا المصير الوطني سواء كانت موضوعاته مستمدة من الواقع السياسي مباشرة، مثل “مأساة جميلة” أو “وطني عكا”، أو من التاريخ العربي والإسلامي في “النسر الأحمر” و”ثأر الله”، أو كانت مستلهمة من تمثل فني للتاريخ المصري في حقبة من حقبه هي فترة حكم المماليك الجراكسة في القرن الخامس عشر.

الدراما الشعرية مطالبة بأن تقدم للمسرح ما لا تستطيعه الدراما النثرية دون أن تنحصر في استمتاع الأذن بالشعر

 لكن أهم ما يتميز به مسرح الشرقاوي هو تلك الروح الملحمية السائدة التي تظهر شخصياته المسرحية وكأنها شخصيات فوق العادة، كما يعكس بناؤه الدرامي خصائص تلك الروح ويجسدها في الميل إلى الرد الحماسي والحكي بشكل خطابي عالي النبرة إن لم يكن زاعقها، وأيضا تضخيم وتفخيم الشخصيات.

ويذهب أبوطالب إلى أن أرض صلاح عبدالصبور المسرحية تحمل أكثر من نبتة تزهر وتثمر بتنوع واضح رغم احتفاظ تجاربه الدرامية بالسمات المشتركة والملامح المميزة لعالمه الفني كمؤلف؛ حيث تحمل كل تجربة منها شكلا من أشكال الاختلاف عن سابقاتها. وهو اختلاف تلعب ضمنه رغبة الشاعر في الابتكار وفي طرق عوالم فنية جديدة الدور الأساسي في استكشافه وإعطائه صفات الجدة.

 كما يلعب تحدد المقولات وتوحد الرؤية لدى صاحبها الدور الأساسي أيضا في خلق التجارب وإعطاء صفة الابتكار المميز لأعمال عبدالصبور، فمن “مأساة الحلاج” إلى “بعد أن يموت الملك” تتسع الرقعة لكن تظل الأرض محتفظة بخصيصة التربة رغم تباين الشخصيات وتنوع ضروب العذاب والمعاناة التي يتعرض لها أبطاله المثاليون بالطبع.

أجلت شخصيات عبدالصبور النماذج الإنسانية مثلما تتنوع التجارب التي يتعرضون لها، ولكنها في النهاية تجتمع وتتوحد وتتغلف في عذاب واحد وهم أساسي، حتى اللغة كلما تفجرت وتجددت لا تنفر من قاموس الشاعر ولا تشذ عنه، بل تقوم بتوسيع دائرته وتضيف إلى صفحاته. ومن هنا يصح القول إن عالما فنيا ذا ملامح وسمات وقسمات يحتوي ويؤطر كل أعمال عبدالصبور المسرحية.

 

12