"على الطريق" قراءات مسرحية في مدنية دمشق

الأربعاء 2014/02/26
قراءة مسرحية للوضع السوري الراهن

دمشق- غالبا ما تشكل الثورات والحروب حالة تؤدّي إلى إنضاج الوعي بأشكاله: الفني، السياسي، والوعي بالحرية.. وهذا ما يحصل في سوريا لكونها تزخم بالأحداث المختلفة، إذ أنتجت الحالة السورية في ما يخص الفن والثقافة عددا من الأدباء والفنانين والمخرجين الشباب.

من بين المخرجين الشباب برز المخرج وسيم الشرقي في أول إخراج له عبر عرض بعنوان “على الطريق” عن نصي “خارج السيطرة” لوائل قدور، و”عتبة الألم لدى السيدة غادة” لعبدالله الكفري الذي قدّمه على خشبة فواز الساجر، من أداء مجد فضة، كامل نجمة ونغم ناعسة.

حاول الشرقي من خلال التركيبة التي افتعلها بين النصين إضاءة الحالة الصُوريّة المدنية للعاصمة دمشق والاصطدام بالتمدن الشكلي لها، إذ يبدأ العرض من مشهد خارج السيطرة بين سائق التاكسي الستيني و”عزيز" الذي قدم من القرية باحثا عن أخته “عليا”، التي هربت وتزوجت شابا من غير دينها.

وقطنت وسط العاصمة في “مساكن برزة”، وبينما ينظر عزيز خارج السيارة باحثا في الوجوه عن أخته، يلقي عليه السائق كمّا من المعلومات يعبر من خلالها عن الانحطاط الأخلاقي الذي اعترى المدينة: “إنها الشهوة يا أخي، شهوة البنت أكبر من شهوتنا بسبع مرات، متى يهيج قلبها تصبح مستعدة لفعل المستحيل”، الأمر الذي يؤدّي إلى إصرار عزيز على فكرته، وهذه أولى الدلالات الصوريّة المدنية لدمشق، إذ أن فكرة الشرف والأخذ بالثأر لم تعد تلاقي طريقها جيدا في حالة المدنية.

المشهد الثاني من نص “عتبة الألم لدى السيدة غادة”، حيث تكون السيدة غادة التي تبلغ من العمر اثنين وأربعين عاما في عيادة طبيب الأسنان “أنس"، محاولة أن تحسن من مظهرها، وقد برزت هذه المحاولة من خلال ما طلبته من طبيب التجميل “ربيع" برغبتها في إجراء عملية “شفط دهون” لعلها تجد حلا لوحدتها، بينما أخفت ذلك عن “ربيع" مبررة له رغبتها في إجراء تلك العملية بارتداء فستان تحبه كثيرا، كانت قد لبسته منذ سنين والآن أصبح صغيرا عليها، حينها يسألها الطبيب: “من المفيد أن تسألي نفسك جيدا هل الدهون هي ما تودين التخلص منها؟”.

وهنا مفارقة أخرى تظهر، وهي أن المدنية مجرّد شكل فارغ من أي محتوى، وذلك أنها لم تلامس جميع مفردات الحياة الحضارية كعلاقة المرأة بالمجتمع مُدعي التمدن، ثم يعود بعد عدد من المشاهد ليرينا حالة القلق التي تعيشها “عليا” في المدينة من جراء فعلتها ونقاشاتها الحادة مع زوجها.

حول وضعهما الذي بات لا يطاق لأن “عليا” التي تخاف من أن يعرف أخوها عزيز مكانها، تقوم بشكل دوري بعملية تفقد لإغلاق النوافذ بشكل جيّد وإسدال الستائر وإطفاء الأنوار، ما أدّى بزوجها إلى اتخاذ قرار لحل مشكلتهما وهو السفر. بعد ذلك ينتقل بنا أخيرا إلى غادة التي احترقت ولا يعطي أسبابا واضحة لهذا الحريق.

هذه الفرضيات التي انتهى إليها العمل سواء “خارج السيطرة” والمتمثلة في السفر، أو في “عتبة الألم” التي تمثلت في حريق السيدة غادة بمعالم غير واضحة، تؤدّي إلى إثارة الأسئلة حول مدى تأصّل “المدنية” في دمشق وحول صورتها الباهتة والتي تكاد تكون معدومة أحيانا.

16