على العرب الإقلاع عن لعبة الزعامة

الثلاثاء 2015/04/28

لعقود طويلة تنازع العرب من محيطهم إلى خليجهم تاج القيادة العربية وتصارعوا حوله إلى أن سقط التاج ذاته أكثر من مرة ولم يعد هناك دولة عربية واحدة قادرة على أن تمسك بزمام هذه القيادة وتصل بها إلى بر الأمان. وقد كانت القضية الفلسطينية على الدوام، كما هو معلوم للجميع، قميص عثمان الذي يحمله كل نظام عربي ليسجل نفسه قائدا للأمة ومنقذا لحاضرها ومستقبلها من مغبة الذوبان أمام عتو القوى الأخرى في إقليم الشرق الأوسط.

ذات القضية الفلسطينية هي التي تروّجها بعض الأحزاب والجماعات، من الشيعة والسنة، ليكسبوا مواقع قيادية على حساب الأنظمة السياسية التي يحاربونها، لتبقى هذه القضية حيلة من لا حيلة له ممّن يسعون إلى تثبيت أقدامهم على طريق المكاسب الفئوية والمغانم الجماهيرية التي فهم الجميع أن لا تاج في أرض العرب دونها. وذلك بسبب أن كل القضايا، بل كل الأزمات الكبرى التي مر بها العالم العربي، حدثت وتلاشت إلا قضية فلسطين الثابتة نتيجة ضعف العرب وعدم قدرتهم على زعزعة الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية.

وإثر نشوء هذه القضية، أو بموازاتها، نشأت قضايا أخرى تنازع فيها العرب على القيادة، فبعد أن هدأ الصراع الناصري السعودي على الزعامة العربية بعد حرب اليمن، تعززت علاقات البلدين باتجاهات إيجابية وصولا إلى مشاركة النفط العربي الخليجي في تحقيق نصر حرب أكتوبر 1973. بعد ذلك شهدت العلاقات العربية - العربية حربا باردة على الزعامة، إلى أن نشبت معركة كامب ديفيد للسلام لتنشأ نزاعات أخرى قادت إحداها ليبيا القذافي في العام 1977 التي خاضت حربا قصيرة ضد مصر السادات التي لم يرض العقيد (الزعيم) آنذاك عن تحضيرها لاتفاقية سلام مع إسرائيل.

في عامي 1978 و1979 قاد صدام حسين، الذي كان حينها يبني برج زعامته، العرب إلى مقاطعة مصر عقابا لها على توقيع إتفاقية الكامب لتصبح بغداد منذ ذلك الحين محور الزعامة العربية. تلك الزعامة التي دخلت بالعرب أجمعين إلى حرب الثمان سنوات مع إيران لتنتهي هذه الحرب بهزيمة إيران وتتويج صدام حسين بطلا وزعيما عربيا تعلّق صوره في كل الدول العربية ويتغزل العرب بضباطه وجنوده في كل مناسبة.

ثم ما لبثت زعامة صدام حسين أن تداعت تداعيا مريعا بعد أن ارتكب خطيئة غزو الكويت في الثاني من أغسطس عام 1990 معتدا بانتصاره على إيران وقوة جيشه، ليتداعى وضع العراق برمته كدولة بعد أن تم إخراج قواته من الكويت في تحالف دولي وإقليمي أنهك قواه وعزله عن محيطه العربي وعلاقاته الدولية. ومعلوم ما تلى ذلك من تآمر قوى داخلية ودولية لإسقاط النظام العراقي لينتهي الأمر، بعد الغزو الأميركي في العام 2003، بمأساة إعدام الزعيم صدام حسين وانتهاء فصل طويل ومأساوي من الزعامة العراقية للعرب.

ومنذ ذلك الحين، أي منذ سقوط النظام العراقي في براثن أميركا وحضن إيران، لم يعد هناك من مبررات لأي دولة عربية لتبني زعامتها أو تفرضها على الآخرين، فقد تلاشت، بعد الدرس العراقي القاسي، هذه المبررات مع فشل النظام العربي كله في المحافظة على وجوده والتحكم في مصيره بنفسه، بعد أن أصبح مرتهنا لقوى أجنبية هي التي ترسم شكل وجوده وتتحكم بمصيره.

هذه القوى هي التي أطلقت في العقد الماضي، تحت وطأة التمزق العربي، بوادر وحركات الفوضى الخلاقة التي كانت الشعوب العربية مدارها ووقودها لتغيب، تبعا لأحداث ما سمّي الربيع العربي، زعامات بالموت أو التنحي أو الانكفاء على الذات القُطرية لخوض حروب أهلية مريعة، لا نتيجة لها سوى تهديم المكتسبات التنموية الشحيحة التي تحققت فيما مضى من عهود الأنظمة الديكتاتورية العربية.

لقد سقطت، نتيجة لكل ذلك، دعاوى الزعامة العربية لأي دولة وأصبحت الدول العربية إما دولا فاشلة لا يستطيع رئيسها أن يحمي قصره، فضلا عن أن يحمي شعبه، وإما دولا تنتظر مصيرها على نفس طريق الدول التي سبقتها إلى هذا الفشل.

وهذا، ربما أكثر من غيره، ما يفسّر حالة التفاؤل العربي الكبير بعد قيام عاصفة الحزم بتحالف عشر دول عربية لمقاتلة بغي الفئة الحوثية التي صنعتها إيران في اليمن. المتفائلون رأوا بصيص نور في نهاية النفق العربي المظلم وعاد إليهم الأمل بأن تكون الأنظمة العربية قد وعت دروس الماضي وآلامه التي كان من أكبر وأهم أسبابها الوقوع في براثن صراعات الزعامة بين الدول العربية المتناحرة على ولاء القبيلة. وجد العرب في عاصفة الحزم لأول مرة تكتلا حقيقيا ضد عدو واضح هو إيران التي لا تخفي مطامعها وغطرستها في احتلال أربع عواصم عربية.

لكن ما يجب أن نعيه، ونحن نخوض صراعنا العربي الحالي مع إيران، هو أنه لا يزال بيننا، خاصة في صفوف المثقفين والإعلاميين، من لا يزال يعيش عقلية العقود العربية الماضية وينفخ في جمر الزعامات التي تشعل المواقف والخلافات بين الدول العربية، سواء الداخلة في هذا التحالف أو تلك الدول التي تقع خارج التحالف أو تتحفظ عليه بأي صورة من الصور.

بعض الأصوات، المصرية بالذات، عادت إلى تلك الإسطوانة عن زعامة مصر وأحقيتها بذلك نظير تجربتها الحضارية الطويلة ونضالها المتواصل في سبيل إحقاق الحق العربي في فلسطين وفي غيرها، ونظير أشياء أخرى لا تعد ولا تحصى. ورشح عن بعض الإعلاميين المصريين أن مصر قادت عملية إيقاف عاصفة الحزم وإطلاق مرحلة إعادة الأمل، وأنها هي الأجدر لدى كل الأطراف باستضافة الحوار اليمني – اليمني في القاهرة.

أي أن السرطان العربي القديم، سرطان التنازع على التفرد والزعامة، ما زال يسكن في رؤوس البعض رغم كل ما نتج عنه من خسائر وويلات ونكبات. كأن هؤلاء المفكرين والمثقفين والإعلاميين، في مشرق العرب ومغربهم، لا إيمان لديهم بإمكانية تحقيق فعل عربي مشترك تتبادل كل أطرافه الإمكانيات والمصالح دون أن يطغى طرف على طرف فتضيع، كما ضاعت من قبل، الإرادة العربية المجتمعة.

الأمر المستغرب أن أغلب هؤلاء المشغولين أكثر من اللازم بتحقيق زعامة هذه الدولة العربية أو تلك محسوبون على الصف القومي العربي. ولكي يعيدوا حساباتهم بعيدا عن هذا التكالب على الذات أحيلهم إلى واحد من الدروس الخالدة للمفكر العربي المرحوم سهيل إدريس حين كتب ذات يوم في مجلة الآداب يقول "العروبة التي نطمح إليها، أنا وآخرون يشبهونني، بديلا من التفكك الحالي، صعبة التعريف. ومن ثم فقد يكون من الأسهل أن نفسرها بما ليس فيها، أو بما لا نرغب في أن يكون فيها. فهي، لذلك، ليست عروبةً تُعْلي من شأن العرب أو الإسلام أو السُّنَّة، وتخفض من شأن غيرهم، داخل البلدان العربية أو خارجها. وليست عروبة تُحِلُّ السلطةَ مكانَ المجتمع، وتختزل السلطةَ نفسها في الزعيم أو العائلة الحاكمة أو الجهاز الأمني أو الحزب القائد أو "الطليعة الثورية". والأهم أنّ العروبةَ التي نطمح إليها ليست قائمة على الفكر المجرَّد، بل على قاعدة الإنتاج المادي والذهني من اقتصاد، وعلاقاتِ تبادل، وسوق مشتركة، وتراث مطبوع ومسموع ومرئيّ". ثم يضع من ثوابت العروبة ركنين أساسيين هما الاستقلال الفعلي السياسي والاقتصادي لكل الأقطار العربية، والتعاون التدريجي بينها وصولا إلى الوحدة الشاملة.

كاتب سعودي

8