على المبدع في الأدب والفن أن يحترم قانون اللعبة

يجمع الشاعر التونسي يوسف رزوقة ما بين كتابة الشعر والرواية والنقد والكتابة للطفل في تجربة ثريّة أثمرت عددا من الأعمال الهامة بدأت منذ ديوانه “أمتاز عليك بأحزاني” الذي صدر عام 1979، مرورا بأعمال شعرية ونثرية أخرى وانتهاء بديوانيه “رشائية: الغزالة والزلزال” و”الذئب وما أخفى”. “العرب” حاورت الشاعر حول أحدث أعماله وبعض ملامح تجربته الشعرية.
الجمعة 2018/01/26
الشعر إفلات من كل نظام

صدر للشاعر التونسي يوسف رزوقة حديثا ديوان بعنوان “رشائية: الغزالة والزلزال” يقول عنه “هو أحدث ما صدر لي شعرا، وينطوي هذا الدّيوان، فضلا عن تمهيد لي مهرته بـ‘نار لا يصلاها إلاّ الأشقى‘، على مفاصل بوّبتها كالتالي: في هجاء الدّستوبيا، انسياب حول كتلة، ما فاضت به الرّوح وتشظّى عنها، بطاقات رماديّة، وختامها مطوّلة شعريّة من 55 صفحة بعنوان ‘رشائيّة: الغزالة والزّلزال‘، تلتها إضاءات نقديّة بإمضاء كلّ من ماجد السّامرائي، عبدالعزيز المقالح، شوقي بزيع، أحمد دحبور وعامر بوعزّة”.

السؤال الشعري

في الديوان السابق له بعنوان “الذئب وما أخفى” ثـمة آلام وإحباطات بسبب ما آلت إليه أوضاع الأوطان العربية بعد سنوات من تـهاوي الكثير من الأحلام. يقارب الشاعر تلك الآلام بقصة “يوسف” في القرآن. ويوضح أن استعماله لتقنيّة الالتفات إلى المنجز القرآنيّ، هو استلهام شعريّ بتصرّف، لصورة مجتزأة من سيرة يوسف الغنية بظلالـها حقيقة ومـجازا. وهو، من ثـمّ إسقاط على الذّات الشاعرة التي تـحمل الاسم ذاته بانعكاس الصورة المستغلة شعريا على واقع الـهنا والآن وما يزخر به من إحباط ومآس لا تـحصى.

ويتابع رزوقة “لم ألـجأ إلى تسويغ ما بدا متماهيا مع الطقس القرآني إلا جزئيّا وفي مواطن سياقية بعينها. مثلا، جاء على الغلاف الـخلفي للديوان، مقطع شعري نصه ‘هو نفسه، الدّرب الذي أفضى إلى بئر الـحقيقة والـمجاز ولا مفرّ لإخوتـي، متساكني الأرض الـجديدة من خطاي سأقتفي آثارهم فهم الـجناة وقد رموا في البئر يوسف، فانتهى أعمى أبوه وقيل إنّ الذّئب جاء به فأنكر أن تكون له يد وبكى، فلم يصمد دم في حـمضه النووي وارتـجف القميص‘. وهو الهاجس الاستيحائيّ ذاته الّذي قال به الشاعر مـحمود درويش في قصيدته ‘أنا يوسف يا أبي‘، كلانا ألـهمته سورة يوسف، دون أن نعدم إمكانية استلهام شعراء آخرين للنص القرآني ولسورة يوسف بالخصوص لـما انطوت عليه من زخم بلاغي واستعاري لافت”.

ويشدد رزوقة على ضرورة أن يعي الشاعر هنا الـحدود الفاصلة بين الصّورة الشعريّة والسورة القرآنيّة وأن يصهر الومضة القرآنيّة صهرا شعريّا جميلا يـجعل القارئ ملتفتا إلى القصيدة وهو يقرأها كنص وهن، وإلى القرآن وهو يستحضره كنص عظيم.

ثـمة تركيز هنا على الـمزج ما بين الشّعر والنّثر فيما أطلق عليه الشاعر “التسريد الشعريّ”. يُبين الشاعر التونسي أن تسريد النص الشعري يجعله ينساب على نـحو مرسل مع ضمان إيقاعه الداخلي والـخارجي. فللشعر منطقة بين المنطقتين أو للشعر، بعبارة أخرى، منطقه اللامنطقي فلا يـحتكم وهو الحالة بامتياز إلى أيّ آلة ولا تنظمه نظريات بنيوية أو تفكيكية أو سيميائية أو تداولية أو غيرها.. فهو نسيج الحالة الأمّارة بالإفلات من كل نظام. قصيدة النثر نـمط تعبيري قائم هو الآخر، إلى جانب النمطين الآخرين، بـخصوصيته.

للشعر منطقه اللامنطقي فلا يـحتكم وهو الحالة بامتياز إلى أي آلة ولا تنظمه نظريات بنيوية أو تفكيكية أو سيميائية

حول قصيدة النثر بين النظرية والتطبيق، صدر للشاعر التونسي كتاب بعنوان “نص الإطاحة بالقناع-إيبستيمية الخروج ليوسف رزوقة نـموذجا”، يقول عنه “هو عبارة عن استقراءات لمجموعة من الشعراء تنافذت مع نصي الشعري والذي ينطوي على رؤيتي وخلفيتي الفكريّة أما هاجس المحاولة الأساسي في ذلك فهو رجّ وجدان المتقبل ومحاولة تشكيل شعرية بديلة تنأى عن المتكرر من المقول الشعري والمستعاد”.

وأصدر الشاعر ديوانه الأول “أمتاز عليك بأحزاني” سنة 1978، حينما كان طالبا بكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، وفاز وقتها بـجائزة وزارة الثّقافة التونسية. وبعد 40 سنة من صدوره، وقطعه لأشواط كبيرة في مشواره الأدبيّ نشرا وحضورا تغير مشروعه الشّعريّ وبات السؤال الشعري الراهن يقتضي تعاطيا جديدا مع الواقع ومتغيرات المرحلة؛ البحث عن قصد آخر للشعر والاستفادة من منجز العصر بشعرنة معطاه وتسويغه أدبيا، وفي هذا السياق صدرت للشاعر تجارب مثل “أزهار ثاني أوكسيد التّاريخ”، “إعلان حالة الطوارئ”، “يوغانا: كتاب اليوغا الشعرية”، “الفراشة والديناميت”، “أرض الصفر” وغيرها.

وفي قصيدة بعنوان “فليرحل الشعر إذا” يقول رزوقة ”زمن الشعر انتهى/ ليس غريبا أن نرى الشعر غريبا/ ساقطا من قمة فيه/ إلى سفح الـهنا والآن”.. يرى الشاعر أن الشعر لم يعد، للأسف، ديوان العرب، لعدة أسباب مستجدة على رأسها الزّمن الافتراضي والفيسبوك مثالا، لكنه مع ذلك مازال قائم الخصوصية والفاعلية والجدوى بل إنّ الّذي لا يـحترم الشّعر وأهله، ستخونه نفسه أوّلا وزوجته ثانيا والآخرون!

ويـجمع رزوقة ما بين كتابة الرواية والنقد والشعر بلغات متعددة، وثـمة غزارة يـمكن ملاحظتها في إنتاجه الأدبي بشكل عام. وهنا يقول “وأنا أمارس عملي النقديّ، خاتلت الصحافي بعدما اختلست منه مفاتيح التشذيب الفني وأبقيت على الشاعر قيد الإحساس بـمعناه بل أمعنت في تـمكينه في مرتبته فهو الأبقى لي في الختام. الشّاعر وهو يـمارس النّقد بوسعه أن يلتفت إلى قصيدته، هناك مسافة أمان.. للنقد وقت وللشعر وقت وللرواية وقت ولفنون أخرى أو هوايات أخرى وقت”.

ويضيف “يبدو لي شاعر اليوم شاعرا بـما يـحدث حوله، يـمارس السياسة ويكتب النقد والرواية والشعر ويرسم إن لذّ له ذلك. أنا مع انفجار الفنون وتداخلـها.. كلّ الأشكال متاحة ولـها أوعيتها. فقط، على المبدع وهو يلعب في مـجاله أن يـحترم قانون اللعبة بالكامل وبـمواصفاتـها الإبداعيّة الـمتقنة”.

الذات والهدم

يؤكد رزوقة أنه لا بد من مشروع شعريّ يقول عصره ويـحقق القيمة المضافة والمعنى لشاعر الـهنا والآن، فمع مطلع الألفية الثالثة وفي هذا الفضاء الاتصالي المعولم، تقتضي المرحلة من شاعرها مقاصد شتّى: الرهان على الإنسان الراهن: إعلاء دولة الذات والانتصار لجوهرها، مجابـهة لكل القوى المتأصلة أو الطارئة ذات الطبيعة القامعة لمقومات الهوية البشرية، التسلح الدائم بالروح الانتصارية العالية والتزام الكتابة المبتهجة مع الوعي الاستثنائي بشائكية الواقع الحضيضي، المتقلب والمنفجر: قطعا مع خطابات النكسة وأيديولوجيا البكاء.

ويؤمن الشاعر بأن قتل الأب بات من الضرورات، فهو دوما ما يدعو قرّاءه أو أصدقاءه إلى ضرورة قتله، إن استطاعوا، كما يفعل هو مع نظرائه الشعراء الذين هيمنوا منذ قرون على ذائقة الجمهور المستهدف بإيقاع متخلف عن عصرنا هذا وبـمضامين موغلة في القدامة وفي التغني المبالغ فيه بالأنا المريضة، فقد آثر منذ البداية أن يقتل، من باب الحبّ، المتنبي وأبا تـمـّام وآخرين حتّى يظلّوا على قيد الحياة، على خلفيّة أن شاعر أي مرحلة لا يـمكنه أن يكون المتنبي أو غيره في النصّ أو في الحياة، فلكلّ شاعر يولد كبيرا خصوصيته وصوته وإيقاعه الخاصّ المتناغم مع عصره.

“قتل الأب”، كما يقول يوسف رزوقة، هو إحياء لهذا الأب بتركه نسيجا وحده لا مـهيمنا بسلطة اسمه أو نصّه على من سيجيء بعده من أجيال شعرية لـها صوتـها وفرادتـها. لذلك من واجبنا، كي نـحقق ذاتنا وتوازننا في عصرنا هذا، أن نـهدم ما بناه الآخرون.

15