على المثقف أن يقف دائما إلى جانب المهزوم

الجمعة 2015/04/24
ليس الخوف هو الوسيلة الأخيرة للنجاة بل لعل الخوف هو الوسيلة الأسرع للذهاب إلى الموت

يأخذك غونتر غراس (1927 – 2015) إلى نهاية الغابة، فهناك، بحسب قصيدة شهيرة له “في الغابة غابة”، هناك ما هو أبعد مما ترى، وهناك ما عليك دائما أن تفتش عنه، أن تفتشه حين تلقاه وأن تستنطقه إذا استطعت. هكذا كان الشاعر غراس في مجمل منجزه الشعري القائم على حقيقة أن “ما يجب ان يُقال، عليه أن يُقال”.

قصيدة “في الغابة غابة”، بلا تردد ودون الخضوع لشروط وحسابات لا تخص الشاعر غونتر غراس ولا تعنيه، هي “الوجع الخفي الكامن في قلب هذا العالم. هي ما يجدر بهذا العالم أن يكونه ذات يوم. فكيف يُخضع الشاعر قصيدته لشروط هذا العالم النقيض”.

وهكذا كان الروائي الذي دلنا على طريقة مبهرة للاحتجاج وإعلان الرفض عبر الصرخات الهادرة لبطله الصغير “أوسكار” في روايته الفذة وغير المسبوقة ألمانيا، لغة وفكرة، “طبل الصفيح “: “يصرخ أوسكار ويصرخ حتى يحطم زجاج ألنوافذ”. يصرخ كي يطيح، قبل هذا وذاك، بأسباب الخوف من جذورها “ليس الخوف هو الوسيلة الأخيرة للنجاة… لا ليس هو، بل لعل الخوف هو الوسيلة الأسرع للذهاب إلى الموت”.

أوسكار “هو نحن” يقول غراس. وطبله، يضيف موضحا، هو “الأداة الممكنة والمتوفرة المفروض علينا الإمساك بها وعدم التخلي عنها أبدا”. وأوسكار، بحسب الناقد الألماني/ البولندي الأكثر شهرة “مارسيل رايخ رانيسكي” (1920 /2013) هو “الضمير الأبدي لسكان هذا الكوكب، فحين تسمع عن تظاهرة تنشد الحرية في مكان ما فاعلم أن هناك أوسكار أيضا”.

عل ذلك النحو الاحتجاجي “الأوسكاري” خاض غونتر غراس غمار الحقول الآسرة التي أخذته وشغلته على امتداد سنوات رحلته الإبداعية الطويلة في مجالات الشعر والرواية والرسم والنحت وكتابة المقالة والخطابة، بين الحين والآخر. والسجال الشاق والإشكالي وشبه اليومي حول القضايا الصغيرة والكبيرة لبلاده والعالم.

للمثقف العربي الآن أن يوجه خطابه نحو خلع الأنظمة الفاسدة من جذورها وليس العمل على إصلاحها

دور المثقف الإنساني

هكذا نعثر عليه، في حوارات متلفزة وأخرى مكتوبة، وهو يضرب طبله محذرا من فواجع سكوت الآدمي عن الجريمة، تجاهلها، أو خلق الأسباب المتصورة لتبريرها “لا توجد جريمة صالحة للتبرير وتشريع الأسباب”، يقول غراس. ويتابع، في حوار شيق جمعه عام 1999 بعالم الاجتماع الفرنسي الشهير بيير بورديه 1930/ 2002، خاصا المثقف عموما بكلامه هذه المرة: “على المثقف أن يقف دائما إلى جانب المهزوم. وعليه، تناغما مع دوره الإنساني، الابتعاد عن رواية المنتصر. فهناك شيء ما غير أخلاقي ولا هو بالصحيح في رواية المنتصر”.

هذا يعني، إن سلمنا باقتراحات غراس وانتصرنا لها، فإن للمثقف دوره الإنساني المنتظر. إن عليه ما ينبغي القيام به، أن ينتصر للمهزوم مثلا. أن “لا يكف عن لعب دور الناقد للسلطة وليس المصفق الأبدي لها”. وهو الدور -دور الناقد سليط اللسان- الذي مارسه غراس بلا توقف في وجه السياسات الداخلية والخارجية لحزبه الذي انتمى فكريا إليه، ثم رسميا عام 1982، وهو “الحزب الاشتراكي الديمقراطي”.

فهناك العديد من القضايا الشائكة التي تباينت وجهات نظر الكاتب وحزبه حولها: علاقات ألمانيا الاقتصادية بالدول الأكثر فقرا في القارة العجوز. صمت الحزب عن السياسات الأميركية الخارجية وغير العادلة المتعلقة بالملفات العالمية الساخنة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وسخافة -هو الذي استخدم كلمة سخافة- محاباة إسرائيل على الدوام. إلى آخر القضايا التي انشغل بها الحزب الاشتراكي أوقات توليه السلطة أو أثناء وجوده خارجها.

في أمر علاقته بالسلطة يوضح غراس أمام جمهور غفير، ضمن فعاليات معرض فرانكفورت الدولي للكتاب عام 2000، خبايا تلك العلاقة ومنطقها على النحو التالي “يعتقد البعض منكم بأن هناك شيئا من التناقض بين دعوتي الدائمة لنقد السلطة ورفض اقتراحاتها، وبين علاقتي الفكرية والعاطفية بالحزب الاشتراكي. أودّ أن أقول لكم بأن أمر العلاقة هذه هو أكثر بساطة مما تعتقدون، فقد كنت أعتقد ولا أزال بأن عليّ القيام بشيء ما.. شيء ما مفيد وفاعل. شيء ما ينسجم مع دوري ككاتب وناقد لا يصفق بل يرفض.. وقد فعلت ولا أعرف إن كنت قد نجحت أم لا”.

غراس مارس دور الناقد سليط اللسان في وجه السياسات الداخلية والخارجية لحزبه الذي انتمى إليه فكريا

ضرب الأنظمة الفاسدة

لم تؤثر علاقة الكاتب غونتر غراس بالحزب الاشتراكي الديمقراطي، سلبا، على مواقفه من القضايا التي تبناها وساجل حولها ورفعها إلى ثيمات مركزية في مجمل انشغالاته الإبداعية والحياتية أبدا، بل على العكس من ذلك تماما، فقد واصل غراس أداء الدور الرفيع الذي عثر هو عليه في شخص بطله الاستثنائي أوسكار.. قارع الطبل الأثير، دور المذكر. الناقد ونصير المهزوم وليس المنتصر.

الإشارة جديرة هنا إلى أن علاقة غراس بالحزب الاشتراكي لا يمكن شرعنتها وتسويغها في أماكن أخرى من العالم. لا يمكن اعتبارها قاعدة يمكن البناء عليها في أمكنة لا تتمتع، كما هو حال ألمانيا، بمناخ ديمقراطي صحيح وبعقد اجتماعي عادل وفعال.

إذ كيف يمكن للمثقف العربي مثلا، في عالمه ألمنكوب بأنظمة مستبدة، تسويغ علاقته وتبريرها بتلك الأنظمة البدائية والمتناقضة قلبا وقالبا مع أبجديات البقاء الحر في المكان؟

وكيف -استطرادا- يصح لذاك المثقف العربي الحديث عن “نقد السلطة ومحاولة إصلاحها من الداخل”، في وقت لا تقوم به تلك السلطة إلا بالعمل على قتل الفعل الثقافي “قتل ألمثقف عمليا” والذهاب بمحيطه الإنساني إلى أسفل الدرك؟ ناهيك عن تورط المثقف في قباحات الدفاع الواضح والصريح عن تلك الأنظمة المستبدة وتبرير أفعالها.

للمثقف العربي، في أوقات المواجهة ألمفتوحة الآن مع أنظمته الشمولية، دوره المختلف غن ذلك الدور الذي لعبه ومثله غونتر غراس في مكانه الألماني. صحيح أن سؤال المثقف الذي انشغل به غراس هو سؤال كوني المعنى في نهاية المطاف وإنساني الجذور والأهداف. وصحيح أن العذابات الوجودية متشابهة دائما. ولكن الصحيح أيضا هو أن تراتبية ما، مفروضة وليست مختارة بالطبع، تتحكم بعمل المثقف وطبيعة الدور المناط به وتلزمه، تاليا، بنوعية الخطاب المنتظر والدور المنشود.

للمثقف العربي الآن، على العكس من غراس الأمس، أن يوجه خطابه باتجاه خلع تلك الأنظمة الفاسدة من جذورها وليس العمل العبثي وغير المفهوم على إصلاحها. فلا شيء لديها أصلا يمكن إصلاحه والبناء عليه.

14