على المرجعية الدينية في العراق أن تصلح نفسها بالقطع مع السياسة

المرجعية الدينية التي تسلمت زمام الأمور في عراق ما بعد الاحتلال الأميركي جعلت الأحزاب السياسية الملتحفة برداء مذهبها وطائفيتها تقود العراق إلى مستقبل مجهول، لذلك فهذه المرجعية لا بد لها من مراجعة استراتيجيتها وفصل العمل السياسي عن الديني، ذلك أن تسييس الدين وتديين السياسة لن يقود إلا إلى المزيد من التعصّب الطائفي والمذهبي.
الجمعة 2015/08/28
مرجعية النجف خلطت الدين بالسياسة وأضرت بالعراق ومستقبله

لم يكن العراق يوما ما بلدا محظوظا. فبعد سقوط نظام صدام حسين استسلمت بلاد ما بين النهرين لأقوى موجة فساد يشهدها التاريخ المعاصر. ومن المذهل حقا أن يتزعم حزب ديني منظومة الفساد التي أفرزت عصابات ترتبط خيطيّا بزعيم ذلك الحزب الذي عُرف بتاريخه الإرهابي.

ولأن الولايات المتحدة وهي التي غزت العراق واحتلته بدءا من العام 2003 كانت قد استعانت بالمرجعية الدينية الشيعية لتهدئة نفوس البسطاء من الناس وتغييب عقولهم وإضعاف الحس الوطني لديهم، فقد وهبت أصحاب العمائم مكانة في المجتمع لا يستحقونها، بحيث صاروا جزءا من الحل الذي هو عبارة عن متاهة مغلقة.

صمتُ تلك المرجعية عن الفساد طوال السنوات التي استشرى فيها يجد في تواطئها مع مشروع الاحتلال ما يفسره.

فالمرجعية كانت قد خرجت عن صمتها في أيام الاحتلال الأولى حين دعت أتباعها إلى التعاون مع المحتل وحين حرّضتهم على الذهاب إلى صناديق الاقتراع مرتين، مرة من أجل الموافقة على دستور كتبه المحتل ومرة ثانية لانتخاب حكومة تكون بمثابة ترجمان المحتل المحلي. وبالرغم من كل ما فعلته المرجعية خدمة للمحتل ومريديه من العراقيين هناك مَن لا يزال يصرّ على أنها تنأى بنفسها بعيدا عن عالم السياسة.

يُقال ذلك حين يتعلق الأمر بتفسير صمت المرجعية عمّا يتعرض له العراقيون من مآس توزعت بن القتل والعزل والتهميش والتشريد والحرمان من أدنى حقوق المواطنة.

لقد صمتت المرجعية عن جرائم عظمى تعرض لها العراقيون على أيدي قوات الاحتلال الأميركي، كان أكثرها مأساوية ما قد شهدته مدينتا الفلوجة والنجف. كان ذلك صمتا منصفا. فالمرجعية لم تفرق بين الفلوجة السنية والنجف الشيعية (مقرها التقليدي) في تواطئها مع الجريمة. وليس أكثر دلالة على ذلك التواطؤ أن السيستاني نفسه، وهو زعيم المرجعية الرسمي، قد تم نقله على عجل إلى لندن استعدادا لذبح أنصار مقتدى الصدر في المدينة التي يقيم فيها.

أما كان أولى بالمرجعية أن تصلح حالها بدلا من أن تتدخل في شأن كانت إلى وقت قريب صامتة عنه بل ومتواطئة معه

وإذا ما عدنا إلى السنوات الثماني العجاف التي حكم فيها نوري المالكي العراق بصفته رئيسا للسلطة التنفيذية، فإن المرجعية لم تظهر أيّ نوع من أنواع الاستياء أو حتى عدم الرضا عن آداء المالكي وحكومته، بل كانت تستقبل الرجل وتهبه بركاتها في كل لحظة يشعر فيها أنه بات مهددا من قبل خصومه السياسيين. فغالبا ما كان المالكي ينتصر على خصومه برضا المرجعية عنه. وهذا يعني أن المرجعية باركت الفساد من خلال رضاها عن الرأس المدبّر لأعظم عملية فساد يشهدها العالم في العصر الحديث.

الآن وبعد أن وصل الشعب العراقي إلى حافة الهاوية وخرج منددا بالفساد، مطالبا بمحاكمة رموزه صارت المرجعية تعلن عن موقف مؤيد للإصلاحات التي دعا إليها رئيس الوزراء الحالي. ولكن قبل الحديث عن نوع الإصلاحات التي تؤيدها المرجعية يحق لنا أن نتساءل “أما كان أولى بالمرجعية أن تصلح حالها بدلا من أن تتدخل في شأن، كانت إلى وقت قريب صامتة عنه بل ومتواطئة معه؟”.

تاريخ المرجعية ومنذ اليوم الأول للاحتلال مليء بالثغرات التي هي عبارة عن فضائح أخلاقية متلاحقة. فهي إن تكلّمت فإن كلامها لا يصبّ في مصلحة كرامة الشعب وحريته ورغبته في بناء بلده المحطم، وهي إن صمتت فإن صمتها ينطوي على خيانة في مواجهة ما يتعرض له الشعب العراقي من جرائم. المرجعية الدينية، وقد احتلت مكانا في الحياة السياسية لا تستحقه، بحاجة إلى إجراء مراجعة شاملة لتاريخها، لا من أجل التعرف على أخطائها بل من أجل وضعها في المكان الصحيح، هناك حيث لا يقف وجودها عائقا أمام طموحات الشعب العراقي وتطلعاته. إن لم تتم تلك المراجعة فإن وجود مرجعية النجف سيشكل واحدا من أهم أسباب انهيار العراق.

13