على المسرح الإغريقي

كلما مال اليونانيون إلى المرح والتفاؤل، تتدخل الآلهة الغامضة، صانعة الأقدار، لتكريس الشقاء. لذا كان المنحى العام للأدب الإغريقي، يتعلق بمكابدة الظلم والظفر بالسعادة والبطولة.
الأحد 2018/05/06
الحكمة هي أول ينابيع السعادة (لوحة: نور بهجت المصري)

لطالما تناول الأدب الروائي دواخل الشخوص والشعوب المسجونة التي تحفر في شخصية الإنسان الفقير والبسيط شكوكا وحساسيات عميقة حيال الخيانة والتعدي.

فالمُحتبسون لسنوات طويلة، أفرادا أو جماعات، يرتابون في أبسط التعابير العفوية، فما بالنا عندما يكون المستبد عشوائيا، يُعبّر عن نفسه بذهنية مضطربة ويقع في التناقض وسرعان ما تُفتضح مقاصده، ويتفاقم الحقد الاجتماعي والحدة في طلب العدالة!

حين يمكر أولياء الأمور بالإنسان، يتحول زمنه إلى هباء في هباء، فتتراجع القيم ويخف حضورها في الأذهان، ويتفشى العنف والانهزام النفسي والتحفّز لأمر خطير.

في مجتمعات المؤمنين، التي يسجنها الاستبداد والجهالة والغرور؛ تطفو على السطح أدوار أشباه الفقهاء، المسكونين بأحقاد استثنائية، وينشأ التطرف الذي يدفع شرائح شبابية مأزومة إلى ممارسة العنف المجنون وإلى التمكين للغزاة!

ولعل من بين أفدح النتائج لأفاعيل عتاة المستبدين، التحول في البنية النفسية الشاملة للمجتمع الذي يألم ويعاني ويحسّ بعدمية الزمن وتفاهته. فالدمار على هذا الصعيد، يولّد إرهاقا معرفيا يعصف بالوئام والاجتماعي، فيظهر المُغالي في الكراهية والمندفع إلى إيذاء الناس، والمتزيد في الموالاة لمن يظلمونه، وهذه الأخيرة أحد تجليات الأعراض المَرَضيّة!

قبل ما يزيد على ثلاثة آلاف سنة، قدم شعراء المأساة، اليونانيون، على المسرح، روايات تناولت أفاعيل الآلهة الغامضة التي يعتقدون بوجودها التي أنزلت العقاب بالعباد جزاء لهم على كبريائهم. وفي تلك الروايات، كانت تلك الآلهة تضرب السعادة وتتربّص بالناس ولا يفلت من مخالبها أحد.

فكلما مال اليونانيون إلى المرح والتفاؤل؛ تتدخل الآلهة الغامضة، صانعة الأقدار، لتكريس الشقاء. لذا كان المنحى العام للأدب الإغريقي، يتعلق بمكابدة الظلم والظفر بالسعادة والبطولة، وتحدث نوابغ الروائيين والشعراء عن ضرورات تحسين المآلات السوداء بالفعل المضاد، والحد من سلطان الآلهة المُفترضة على حياة البشر، وقالوا إن الإنسان المُجيد والنبيل، يواجه الكوارث كما يواجه السباح الماهر موج البحر الهائج: يصارعه ويكافحه ما استطاع إلى ذلك سبيلا. وقد حسم “سوفوكليس″ الأمر قائلا: إن الحكمة هي أول ينابيع السعادة، أما صلف المتكبرين فهو الذي يجرّ عليهم الشر. فهؤلاء لا يتعلمون إلا بعد فوات الأوان أو بعد التقدم في السن!

ربما كانت الشيخوخة، في زمن أثينا الغابر، هي ضمانة الوقار المُحتّم الذي لا يستثني عُتاة الظالمين. ففي ذلك الزمن كان الاعتقاد بأن الشيخوخة تهذب الإنسان السفيه وتذكّره بقرب انطواء حياته. أيامها لم تكن هناك هرمونات كوتيزون، للتعامل مع حالات التوتر، ولتهيئة الجسم لكي يتبدى ناشطا ومناسبا!