على المعارضة الابتعاد عن التحزّب لمواجهة أردوغان

المعارضة طيلة الحملات الانتخابية، أكثر فعالية وهجوما، بينما النظام الحاكم يقف موقف المدافع، ويبدو أنه أكثر إرهاقا. وليس من المعلوم كيف ستكون النتيجة إذا ما تم تضييق الخناق عليه بشكل أكبر.
الجمعة 2018/06/22
الحملات الانتخابية للمعارضة تشتغل على الفعل المادي المغاير لما يقوم به النظام

القضية الأساسية بالنسبة لمن صوتوا بــ“لا” في الاستفتاء الدستوري الذي شهدته تركيا يوم 16 أبريل 2017، لم تكن لها علاقة بهوية الشخص الذي سيستخدم الصلاحيات التي أسفرت عنها التعديلات الدستورية التي تم الاستفتاء عليها. بل إن قضيتهم الأساسية كانت ذات علاقة بهوية من سينهي هذه الصلاحيات في أسرع وقت ممكن. وذلك لأن هذه الصلاحيات إذا ما اجتمعت في يد شخص واحد، فلن تكون ولا يمكن أن تكون هناك دولة قانون، أو ديمقراطية تعددية، ولا حتى فصل بين السلطات.

كما تعلمون، ثمة أيام محدودة فقط تفصلنا عن الانتخابات البرلمانية والرئاسية المرتقبة في تركيا يوم 24 يونيو الجاري. وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها انتخاب النواب، ورئيس البلاد من خلال اقتراع عام في انتخابات واحدة.

كما تعتبر هذه هي المرة الأولى التي تخوض فيها الأحزاب السياسية المختلفة الانتخابات تحت مظلة “تحالفين” مختلفين، محتفظة كأحزاب بهوياتها الاعتبارية.

الناخبون في هذه الانتخابات سيصوتون لأي تحالف من التحالفين مباشرة، أو لأي حزب من الأحزاب التي ستخوض الانتخابات تحت مظلة تحالف ما منهما، أو لأي حزب من الأحزاب التي لم تنضم لأي تحالفات. وثمة اسم حزبين (العدالة والتنمية الحاكم، والحركة القومية المعارض) سيكون في تحالف “الجمهور”، كما أن تحالف “الأمة” سيضم أسماء ثلاثة أحزاب (الشعب الجمهوري، والصالح، والسعادة). وهذه الأحزاب الثلاثة التي تشكل تحالف “الأمة” سيرد اسمها كذلك في أوراق الاقتراع الأخرى التي لا تخص التحالفات. والناخب سيصوت لاختيار أحد المرشحين الرئاسيين، ثم يضع صوته هذا مع صوته في الانتخابات البرلمانية، في نفس المظروف الانتخابي.

المنهج الذي يطبق هذه المرة من أجل التحالفات يعتبر جديدا والأول من نوعه بالنسبة لتركيا. ولا جرم أن هناك الكثير من الإجراءات الناقصة التي من الممكن أن تفتح الطريق أمام إلغاء تلك الانتخابات، كما أنه ستكون هناك أيضا الكثير من الأخطاء التي ستؤدي للأمر ذاته.

كما أن مسألة “الختم” التي كانت مثار جدل كبير في الاستحقاق الانتخابي الماضي، يبدو أنها ستكون أيضا سببا في صدامات وصراعات جديدة هذه المرة. كما تعلمون، تركيا منذ عام 1946، وحتى الآن، أي منذ ما يقرب من 70 عاما وهي تجري انتخابات على أساس ديمقراطي متعدد الأحزاب. وبحسب مراقبتي، فإني أرى أن المواطنين في تركيا ينجحون في التصويت بكل الانتخابات بنوع من الفكر والحس السليمين. لكن رجال السياسة والدولة لم ينجحوا في فرز الأصوات التي أدلى بها المواطنون، ولم يفلحوا في إخراج تلك الأصوات من الصناديق بنفس رجاحة العقل التي أدلى بها الناخبون. وبالتالي فنحن لذلك على دراية بإجراء الانتخابات، ولا نعرف كيف نفرز الأصوات.

ومن المهم للغاية، أن تستعد كافة الأطراف المشاركة في الانتخابات للتواجد أمام كافة الصناديق قبل الإدلاء بأول صوت، وأن تقوم تلك الأطراف بإدراج كافة القواعد والإجراءات في مضبطة، وتسجل العملية الانتخابية بأكملها من بدايتها وحتى الإدلاء بآخر صوت. فكل هذه الأمور مهمة للغاية كي نتفادى أي مشكلات قد تحدث على رأس الصندوق الانتخابي، وما قد تسفر عنه من شائعات سواء أكان لها أساس أم باطلة. وإذا لم يتم تنفيذ هذه الأمور فإن أي اعتراضات مجردة على العملية الانتخابية، ستفقد مصداقيتها.

في 10 مايو الماضي، كنت قد كتبت مقالا هنا تحدثت فيه عن ملاحظاتي على القرار الذي اتخذته الدولة لإجراء الانتخابات مبكرا عن موعدها، ومن جملة ما ذكرت أنه لا يمكن لأي سلطة حاكمة أن تتخذ قرارا بإجراء انتخابات مبكرة، طالما أن الأمور تسير على ما يرام، وطالما أن كل فرد من أفراد المجتمع يشعر بالرضا عن حياته، وعن حكامه. فإذا رأيت العكس، أو بمعنى آخر، إذا اتخذت السلطة الحاكمة قرارا كهذا، فهذا مؤشر على وجود أزمة ما تتعلق بمستقبل البلاد. نعم قلت هذا الكلام، ولازلت عند قناعاتي السابقة.

وبعد مرور فترة على ذلك المقال، أرى أنه خلال 40 يوما حدث تغيير كبير على الساحة السياسية. إذ ألاحظ أن المعارضة طيلة الحملات الانتخابية، أكثر فعالية وهجوما، بينما النظام الحاكم يقف موقف المدافع، ويبدو أنه أكثر إرهاقا. وليس من المعلوم كيف ستكون النتيجة إذا ما تم تضييق الخناق عليه بشكل أكبر.

والمشكلة الرئيسية في حملات المعارضة الانتخابية، هي قيام المرشحين بالانكباب على سرعة توجيه الانتقادات الشخصية في المقام الأول، تاركين الانتقادات المتعلقة بالنظام في البلاد للمرتبة الثانية. فهم يستعرضون أمام الناخبين كيف يمكنهم أن يستخدموا سلطات وصلاحيات رئيس الجمهورية، بدلا من أن يتحدثوا معهم عمّا سيقومون به حال انتخابهم من إنهاء للتعديلات الدستورية التي أُقرت بموجب استفتاء 16 أبريل، وتوضيح كيف سيقومون بذلك، وبدلا من أن يتحدثوا إليهم عن الكيفية التي سينتقلون بها إلى دولة القانون والديمقراطية التعددية ومبدأ الفصل بين السلطات.

الحملات الانتخابية التي تقودها المعارضة تشتغل فقط على الفعل المادي المغاير لما يقوم به النظام في هذا الخصوص، يعني إن أعطى النظام إكرامية العيد للمتقاعدين، يعد المعارضون بإطلاق وعود لزيادة قيمة هذه الإكرامية، فنرى أحدهم يعد بتوزيع النقود على الشباب، وآخر على العاطلين عن العمل. وهم بذلك يديرون العلاقات الدولية بإرادة وحيدة، ويتحدثون عن استخدام السلطات والصلاحيات لعدة سنوات، ويعدون بإعادة تنظيم المؤسسات خلال شهور عديدة فقط. أي أن الأمور الأكثر شعبوية داخل المجتمع التركي نراها بادية بشكل كبير في الحملات الانتخابية، وتقوم بدور البطولة فيها.

ومن ثم، وكما أوضحت آنفا فإن القضية الأساسية بالنسبة لمن صوتوا بـ”لا” في الاستفتاء الدستوري الذي شهدته تركيا في 16 أبريل، لم تكن لها علاقة بهوية الشخص الذي سيستخدم الصلاحيات التي أسفرت عنها التعديلات الدستورية التي تم الاستفتاء عليها. بل إن قضيتهم الأساسية كانت لها علاقة بهوية من سينهي هذه الصلاحيات في أسرع وقت ممكن، وكيفية فعله ذلك؛ وذلك لأن هذه الصلاحيات إذا ما اجتمعت في يد شخص واحد، فلن تكون ولا يمكن أن تكون هناك دولة قانون، أو ديمقراطية تعددية، ولا فصل بين السلطات.

أي كلما تقدمت الحملات في المضمار الرئيس للشعبوية والحزبية، وبرزت الانتقادات الشخصية بدلا من الانتقادات التي يجب أن توجه للنظام بشكل عام، كلما برزت على الجانب الآخر مسألة التحزب والحزبية بشكل أكبر. ويبدأ على إثر ذلك الناس في الاجتماع بحماس أكبر حول مرشحي أحزابهم وآرائهم السياسية، بدلا من البحث عن رئيس جمهورية من خارج أي حزب، وأعلى من أي توجهات حزبية معينة. لكن في الغالب هذا الحماس لا يلفت الانتباه نظرا لما يضفيه من مشروعية على “وضع المرشح المنتمي لحزب ما”.

من ناحية أخرى، يمكن القول إن احتمال تجاوز العتبة الانتخابية الذي يضمنه قانون التحالفات، من الممكن أن يغيّر النظام البرلماني بشكل كبير.

فالأصوات الانتخابية التي كانت تذهب من قبل للتكتلات الكبيرة بعد عجز الأحزاب الصغيرة عن تجاوز العتبة الانتخابية، ستذهب هذه المرة لأصحابها الحقيقيين. لأنه إذا حصل حزب ما على أصوات كبيرة في دائرة انتخابية ما، فمن الممكن أن يمثله في البرلمان نائب دون أن تكون هناك أي مشكلة بخصوص العتبة الانتخابية. وعلى سبيل المثال في هذا الصدد، يبدو أن حزب السعادة سيفتح فجوة كبيرة في القاعدة الانتخابية للسلطة الحاكمة.

لكن لا شك أن النتيجة التي سيحصل عليها حزب الشعوب الديمقراطي، ستكون هي المحددة حسابيا لمسألة حدوث تغير جوهري في البرلمان لصالح أحزاب المعارضة.

فإذا عجز حزب الشعوب الديمقراطي عن تجاوز العتبة الانتخابية، فإن جناحا مهمّا في السياسة التركية لن يجد فرصة ليتم تمثيله نيابيا في البرلمان، كما أن ذلك سيؤدي لحصول ثاني حزب بعده على كافة الأصوات التي حصل عليها الحزب الأول في دائرة انتخابية ما.

ومن ثم فإن تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي للعتبة الانتخابية، سيكون تعبيرا عن إرادة قوية ثابتة أظهرها الناخبون من أجل حل كافة المشكلات تحت قبة البرلمان وفي إطار ديمقراطي، وسيكون ذلك أيضا ترجمة لرغبة في تحقيق تغيير داخل إدارة البلاد. ولأهمية ذلك فإن الطرف الآخر ممن لا يرغبون في تجاوز ذلك الحزب للعتبة الانتخابية، سيفعل كل ما في وسعه لتسفيه الشعوب الديمقراطي أمام الناخبين، وسيختلق أي أحداث استفزازية من شأنها جعل الحزب دون العتبة الانتخابية المطلوبة. لذلك على الشعوب الديمقراطي أن يكون يقظا حيال كل هذه الاحتمالات.

وفي نهاية المقال أتمنى أن تكون الانتخابات المقبلة بداية عملية جديدة تبعث الأمل في الديمقراطية التركية، وتحوّل الآمال إلى حقيقة ملموسة على أرض الواقع.

8