على المنوال الغرامشي

السبت 2014/08/09

ما من مرة وصف فيها هذا المثقف أو ذاك بـ”العضوي” إلا وأضيفت إليه عبارة “على المنوال الغرامشي”. وتسأل المتحدث عن هذا الغرامشي الذي يسير بعض المثقفين على هديه، فلا تكاد تظفر في أحسن الأحوال بغير إجابة مقتضبة تفيد مرة بأنه مفكر شيوعي، ومرة أخرى بأنه فيلسوف ماركسي، وكأن في الأمر خلافا. وحين تلحّ عليه في تفصيل القول تكتشف أنه لم يقرأ له شيئا، وإنما اكتفى بترديد ما يشيعه اليساريون، العرب بخاصة، من أن الرجل كان قد دعا إلى التحام المثقف بقضايا الجماهير الشعبية، ناطقا بهمومها، معبّرا عن مشاغلها.

والمسألة لا تنحصر في الجهل بأنطونيو غرامشي وموقعه في الحزب الشيوعي الإيطالي ومؤلفاته، على قلتها، ورسائل كان يبعث بها من سجنه، وإنما في ذلك الوصف الذي يطلقه العرب جزافا على كتاب وصمت سيرتهم تلونات وانقلابات كثيرة، وسكتوا عن آثام لا تحصى عددا اقترفها هذا الحاكم أو ذاك في حق شعبه، وهادنوا الطغاة ولا يزالون، والمعروف أن أغلب الأدباء العرب يساريون في أقوالهم، يمينيون في مواقفهم وممارساتهم، يدينون الطغيان في المطلق، ويتبارون في الفوز بالهبات السَّنية، أيا ما يكن واهبها.

ومن أعجب ما قرأنا في الآونة الأخيرة حوار مع كاتب عربي يصفه محاوره بـ”المثقف العضوي” دون أن ينسى طبعا إضافة تلك العبارة الأثيرة، ويؤكد أنه يناضل منذ شبابه بالفكر والساعد، بالقلم والبندقية، والرجل مقيم في تونس منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، يكسب عيشه من مراسلة وكالة الأنباء السورية، وعطايا سفارتها وزوارها من أعيان حزب البعث وأعضاء حكومة حافظ ثم بشار الأسد.

ومن عجيب ما نذكر أيضا في باب الاستشهاد بأعلام لا يعرف المتحدث عنهم سوى الاسم وشذرات متفرقة التقطها من لغو المقاهي والخمارات، أو قرأ نتفا عنها في الصحف السيارة، ما جرى منذ ثلاثين سنة خلت خلال جلسة بالمركز الثقافي لمدينة تونس، في نطاق لقاءات فكرية وأدبية كان يديرها الناقد التونسي المعروف الأستاذ توفيق بكار بصفة أسبوعية، حين أطنب المتدخلون في ذكر بعض الأسماء المرجعية في الفكر الشيوعي وركزوا على أندري جدانوف، الذي رافق تعيينه على رأس الأمانة العامة للحزب الشيوعي السوفييتي بداية الحرب الباردة، واشتهر بنظريته المانوية في تقسيم العالم إلى معسكرين، إمبريالي غربي تقوده أميركا، ومسالم مناهض للإمبريالية والفاشية تتزعمه موسكو. وأفاضوا في الحديث من كل جانب، ولم يخنسوا إلا حينما سألهم الأستاذ بكار: “من منكم قرأ جدانوف؟”


كاتب من تونس مقيم في باريس

16