على باب السنة

السبت 2014/01/04

ربما بدا الأمرُ حتى اللحظة القائمة، نتاجَ سوء حظّ أو طعنة حماقة فائضة. أيّامي متشابهة وقد يكون توصيفها أوقاتا، بمفردات من مثل مملّة ورتيبة وباهتة ودبقة، هو الأقرب إلى جوهر الصورة، لذا لم أكترث لما يفعله الناس ليلة رأس السنة المجيدة، باستثناء تلك اللقطة المميتة التي قمتُ فيها على طولي، وخلعتُ آخر ورقة من وريقات روزنامة الحائط الشائخ.

ثمة فعالية بيتوتية مبهجة، تتصل بسانتا كلوز وغزلانه وعربته المشهورة، وهداياه المفرحة للولدين الحلوين، نؤاس وعليّ الثاني. نؤاس فهم اللعبة منذ سنة، لكنه ظلّ مصرا على حوز الهدية الافتراضية، أمّا عليّ فمازال مسرورا ونائما ببطن الخديعة اللذيذة. أثُّثتُ مائدتي بما تيسّر من طيب الشراب، وشلتُ كأسا أوّلَ بصحة ما تبقّى من البلاد العزيزة.

كانت شاشة التلفزيون رحيمة ومكتظة بالجمال والرقص، لولا ذلك الإشهار المنفّر الذي يروّج لعطرٍ سحريّ يجعل رائحة الإبطين مثل رائحة ما خلف أذنَي هيفاء وهبي.

من منغّصات الحداثة، هو ذلك العدد المروّع من الشاشات الملونة، التي بمستطاعك رؤيتها بضغطة زرّ، لكنَّ واحدةً منها قد تغطّي ليلتك بالراحة. هذا تماما ما حصل معي. فيلم سهرة طويل بطلاه اثنان من عتاة الممثلين المشهورين، لكنني لا أعرف اسميهما. بطلة الفيلم هي تحفة من تحف الزمان اسمها صوفيا لورين. أحببتُ لغة التخاطب بين البطلين العجوزين المذهلين حيث الأول يقول للثاني كيفك أيها الأبله، فيجيبه الثاني الذي يشبه وجهه وجه صاحب أحمد، بالقول أنا بخير أيها الأحمق.

كانت قرية الفيلم صغيرة ووادعة، فيها حانة واحدة، ومطعم طلياني تقوم عليه صوفيا لورين، التي تسمح للزبون ببصّة نابتة فوق ثدييها الفائرين، مع هبوط ماعون الطعام على سرّة المائدة. للممثل الذي يشبه صديقي صاحب أحمد، ولدٌ وجهه يشعُّ طمأنينة ورحمة، وهو قريبٌ جدا من صنف الهبلان المسالمين. ألمشاهد كلها مريحة، حتى مرأى مراسم موت العجوز الأكبر وحرق جسده ورمي رماده في النهر، حيث كان بمقدور الجميع، أن ينصتوا إلى قولة ابنه المبتسم بوضوح: يبدو أنّ القدَر قد تذكّرك أخيرا أبي العزيز.

في خاصرة الشريط، يفوز العجوز الشائل وجه الرسام صاحب أحمد، بقلب صوفيا لورين الخالي. كنتُ سأطير من الفرح لو حصل لي هذا، فأنا أعشق صوفيا مذ رأيتها أول مرة، وهي تلبط فوق شاشة سينما الخيّام ببغداد العبّاسية، لكن يبدو أنْ ليس كلُّ ما يتمنى علي السوداني يُدركهُ. كونوا بخير وعافية وفيروز وسنة ممكنة.

24