على حساب الحزانى

إن كان السياسي متفرغاً لوظيفته، ويتقاضى راتباً محدوداً، فمن أين له أن يتبرع شخصياً، وبسخاء، لكي يرفع ـ كما قالت الوزيرة ـ مستوى القطاع الصحي الفلسطيني برمته، فيغطي كلفة الأجهزة اللازمة لتحسين كفاءة العلاج؟!
الأحد 2020/01/19
يصرف من مال الحزانى ويمن عليهم بلسان وزيرته

أفاضت وزيرة الصحة الفلسطينية -ربما مضطرة- في امتداح الرئيس عباس لـ”تبرعه السخي” بأجهزة طبية لعلاج الفلسطينيين. وبهذا السخاء العجيب، يتحول الكيان أو الدولة، إلى حال البؤس، فيتصدق عليها من يمسك بمقدراتها. كأن ما تبرع به، لم يكن حقاً للناس على كيانهم، وحقاً لهم في مالهم. ذلك بمعنى أن سيد الصرف المالي، يتمثل دور المحسن المتعطف على الكيان والشعب، ويمده بصدقة جارية، دفعاً للحسد عنه وعن أولاده!

مثل هذه الحالات، تُشوّه معنى التبرع نفسه، من حيث هو قيمة إنسانية يُعلي من شأنها ميسورون، نجحوا في أعمالهم وأثروا، ولم يتغاضوا عن وجود معوزين، فتبرعوا من حُر مالهم. وشتان بين من يتبرع من حُر ماله، ومن يصرف من مال الحزانى ويمن عليهم بلسان وزيرته!

في أدق تمثيل حكائي لمثل هذا السخاء، هناك نكتة مصرية -وإن كانت أخطأت في شمولية من تعنيهم- مؤداها أن الناس الميسورين الذين يقيمون موائد الرحمن في شهر رمضان “يعزموننا على حسابنا”!

إن كان السياسي متفرغاً لوظيفته، ويتقاضى راتباً محدوداً، فمن أين له أن يتبرع شخصياً، وبسخاء، لكي يرفع -كما قالت الوزيرة- مستوى القطاع الصحي الفلسطيني برمته، فيغطي كلفة الأجهزة اللازمة لتحسين كفاءة العلاج؟!

إن في مثل هذا “التبرع” المزور، عددا من الرزايا. أولاها، تضييع الخط الفاصل بين المال العام والذمم المالية للمشتغلين في السياسة، مع تحريم التساؤل حتى عن هذا الخط الفاصل، تحاشياً لأن يتفرع التساؤل إلى أسئلة. أما الرزية الثانية، فتكمن في السياسي العجيب، الذي يريد الامتداح لنفسه، ولا يريده لمشروعه السياسي، ولو من حيث البُعد الاجتماعي لوظيفته. كأنما يقول للناس، سلطتكم في حال الجدب، ولا تنتظروا منها شيئاً، أما أنا فصاحب الغيث والبلسم الشافي!

وفي رزية ثالثة، يُفترض أن مجلس الوزراء، يعرف احتياجات شعبه، ويقدم أعضاؤه، كلٌ قي قطاعه، مشروعات موازنات، معللة بأسبابها المُلحة وأولوياتها. لكنه في هذه الحال، يتوسل ما يريد، فلا يحصل عليه، وعندما يقرر ملاك السلام والصرف، إظهار الإحسان، وتخصيص شيء من المال العام للحزانى، يتغاضى أهل الدولة عن ثقافتها، فيمتدحونه كمتبرعٍ سخي!

الأطرف، أن وزيرة الصحة الفلسطينية، صرحت بعظمة لسانها، أن تبرع السيد الرئيس، يُخفّض الإنفاق على التحويلات الطبية إلى الخارج. وهنا تنقسم الرزية إلى اثنتين: شُح باذخي المرسيدس، عندما يتعلق الأمر بآلام الناس، وصبرهم الطويل على نزف مالي أعيا الموازنة!

24