على خطى العرب

الأربعاء 2016/04/06

تبث فضائية عربية برنامجا أطلقت عليه تسمية “على خطى العرب”، يحاول أن يستقصي عيانيا جغرافيا الشعر الجاهلي، وأن يزور مقدم البرنامج مسرح الأحداث المفترضة التي تحدث عنها شعراء المعلقات، في استعادة رومانسية لزمن امرؤ القيس والنابغة وطرفة.

ولكن البرنامج، على الرغم من الطموحات التي وعد المشاهدين بتحقيقها، وقع في مطب منهجي أضرَّ به وجعله يراوح في أمكنة متشابهة من حيث التضاريس، ومقاربة تقليدية للقصائد لم تزد على ما تفيض به كتب الشروحات العباسية، إن لم يكن أقل منها.

المشكلة الرئيسية التي أضرت بهذا البرنامج افتراضه بأن جميع وقائع قصائد المعلقات وقعت في صحارى وفيافي الجزيرة العربية، ومن الواضح أنه اعتمد في تحقيقه لأسماء الأماكن على كتابات المؤرخ السعودي حمد الجاسر، الذي سبق أن جعل الغالبية الساحقة من وقائع الشعر الجاهلي تقع بين نجد والدهناء وصحراء الربع الخالي.

ليس الأمر بهذا التبسيط، فالمواضع التي تنقل فيها شعراء العرب، كما يقدمها البرنامج، هي كثبان من الرمال وفيافي مقفرة لا تصلح لإقامة البشر، في حين أن تحقيق أسماء الكثير من المواضع يثبت أنها في جنوبي بلاد الشام وأحيانا في باديتها، وهنا هل يمكن تجاهل الرواية التاريخية البيزنطية التي تحدثت عن ملك يدعى امرؤ القيس يقيم في جنوب فلسطين وزار القسطنطينية؟!

أسئلة كثيرة تتعلق بالمنهج وبالتحقيق، والسبب هو المراوحة ضمن إطار الرؤية التي وضعها مؤرخو وشراح قصائد الشعر الجاهلي في العصر العباسي، ومحاولتهم التأكيد على بداوة العرب وسذاجة حياتهم، مقابل حضارة الفرس العظيمة! ولذلك يغدو أي حديث عن عرب العصر الجاهلي، هو حديث مرادف لشظف العيش والانعزال في بحور من الرمال والفيافي القاحلة.

ولا شك أن كتاب الأغاني لأبي الفرج الإصفهاني، ساهم إلى حد كبير في تكوين هذا الوعي الزائف، الذي لانزال نعيش ضمن إساره حتى اليوم، فالرؤية التي كان يسعى لتكريسها في موسوعته كانت تقوم على ثيمة واحدة من ثيمات الحب المستحيل أو المصير المأساوي المفجع.

وكان لعدم واقعية الكثير من الوقائع المفترضة حول الشعر الجاهلي أن جعل كثيرا من الباحثين العرب وغير العرب، وعلى رأسهم طه حسين، يشكك بهذا الشعر ويراه من عنديات العصر العباسي.

ثمة الكثير من الدراسات النقدية التي تناولت الشعر الجاهلي، سواء باللغة العربية أو باللغات العالمية المعروفة، وكان حريا بمنتجي البرنامج ألا يعودوا لتكرار ما يعرفه الناس وحفظوه في مناهجهم المدرسية القاصرة، بل أن يسعوا لتقديم رؤية مختلفة وإلا لا مبرر لهذا البرنامج أصلا، ولكن، ومع ذلك يحسب له أنه تجرأ، في بلد مثل المملكة العربية السعودية، على طرح جانب مجهول من تاريخ العرب، والمملكة خصوصا، لدى العامة، خارج رؤية المؤسسة الدينية، التي كانت تحرم اطلاع الناس على أي شيء يتعلق بالعصر الجاهلي.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14