على خطى مبارك.. مصر تحاكم ثاني رئيس لها وتهم مرسي تصل للإعدام

الثلاثاء 2013/11/05
بعد أن ذاق السلطة.. مرسي خلف القضبان مرة أخرى

حين فر محمد مرسي، القيادي بجماعة الإخوان المسلمين، من سجن وادي النطرون في الأيام الأخيرة لحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك في عام 2011 لم يخطر بخلده أن ينتهي به المطاف مرة أخرى خلف القضبان. فبعد أقل من ثلاثة أعوام يواجه الرئيس المعزول -الذي بدأت محاكمته أمس بتهمة التحريض على العنف -احتمال أن يقضي السنوات الباقية له في السجن وربما ما هو أسوأ.

بداية الحكاية كانت مع فوز جماعة الإخوان المسلمين، لأول مرة في تاريخها، في جميع الانتخابات التي جرت منذ الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بمبارك في عام 2011، وعلى إثرها اختارت الجماعة محمد مرسي العياط ليعتلي كرسي السلطة في مصر. وأصبح مرسي رئيسا بالصدفة، فقد دخل السباق في اللحظة الأخيرة خوفا من استبعاد اللجنة الانتخابية العليا مرشح الجماعة الأول رجل الأعمال الثري خيرت الشاطر.

أنهى مرسي، الهارب من سجن وادي النطرون، مع بداية اندلاع الثورة 25 يناير ضدّ نظام مبارك، تقليد هيمنة رجال من القوات المسلحة على السلطة، إذ جاء منها جميع الرؤساء الذين حكموا مصر منذ عام 1952.تعهد مرسي بتوجه إسلامي معتدل نحو حقبة ديمقراطية تحل فيها حكومة تعمل بشفافية وتحترم حقوق الإنسان محل النظام المستبد لتعيد لمصر عنفوانها. وتعهد للمواطنين بتحقيق «نهضة مصرية على أساس إسلامي». لكنه بدلا من ذلك أبعد ملايين المصريين الذين اتهموه بتوسيع سلطاته عن طريق إصدار إعلان دستوري وفرض التيار المحافظ للإخوان المسلمين وإساءة إدارة الاقتصاد.

خطأ فادح


ارتكب مرسي خطأ فادحا في السياسة المصرية هو تهميش الجيش. وفي نهاية المطاف انقلب عليه وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح السيسي الذي اختاره مرسي للمنصب لما عرف عنه من تدين. وحين استشعر السيسي حالة الاستياء العام حث مرسي على إيجاد حلول وسط مع معارضيه السياسيين، ولكن الأخير رفض مكتفيا بالتعاون مع جماعته وإسلاميين آخرين بصفة أساسية.

مصر منذ عزل مرسي
تموز- يوليو 2013

*وزير الدفاع قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح السيسي يذيع بيانا يعلن فيه تعطيل الدستور، ما يعني عزل مرسي.

*القضاء يصدر حوالي 300 مذكرة توقيف بحق قيادات وأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها مرسي.

*المرشد العام لجماعة الإخوان محمد بديع يدعو إلى تظاهرات «مليونية» إلى حين عودة مرسي إلى الحكم.

*سقوط 57 قتيلا و480 جريحا خلال تجمع لأنصار مرسي أمام دار الحرس الجمهوري في مدينة نصر بالقاهرة.

*الرئيس المؤقت يصدر «إعلانا دستوريا» يحدد إطار المرحلة الانتقالية والاستحقاقات الانتخابية، والإخوان يسارعون إلى رفضه.

*تشكيل حكومة جديدة ليس فيها أي تمثيل للإسلاميين في حين يحتفظ السيسي بحقيبة الدفاع وإلى جانبها منصب نائب رئيس الوزراء.

*مقتل 81 مدنيا وشرطي واحد في مواجهات بين الإسلاميين ورجال الأمن في القاهرة.

آب - أغسطس 2013

*القضاء يمدد توقيف مرسي.

*قوات الأمن والجيش تفض بالقوة اعتصامين نظمهما الإسلاميون لأكثر من شهر في ميداني رابعة العدوية والنهضة للمطالبة بعودة مرسي.

*السلطات تتهم الإخوان المسلمين بتدبير «مؤامرة إرهابية».

*مقتل 26 شرطيا على الأقل في سيناء بينهم 25 في اعتداء هو الأكثر دمويا ضد قوات اللأمن منذ سنوات.

*اعتقال المرشد العام للإخوان محمد بديع.

أيلول- سبتمبر 2013

*وزير الداخلية ينجو من محاولة اغتيال بتفجير عبوة ناسفة.

*القضاء يحظر «أنشطة» الجماعة ويأمر بمصادرة أموالها.

أكتوبر- تشرين الأول 2013

*أربعة قتلى وحوالي 40 جريحا في اشتباكات بين مؤيدين لمرسي ومعارضين.

*مقتل 34 شخصا على الأقل في اشتباكات دارت في أنحاء مختلفة من البلاد بين مؤيدين لمرسي ومعارضين بمناسبة احتفالات ذكرى حرب أكتوبر.

وأطلقت حركة شبابية عرفت باسم «تمرد» حملة للمطالبة بتنحي مرسي ونزل الملايين إلى الشوارع مطالبين برحيله. وفي الثالث من يوليو – تموز ظهر السيسي -مدير المخابرات الحربية في عهد مبارك- على شاشة التلفزيون معلنا نهاية رئاسة مرسي المضطربة التي دامت عاما واحدا وأعلن خارطة طريق للوصول إلى انتخابات جديدة.

وشتتت حملة أمنية أوصال جماعة الإخوان المسلمين. وفضت قوات الشرطة مدعومة بالجيش والشعب المصري اعتصامين لأنصار مرسي في القاهرة والجيزة للمطالبة بعودته إلى منصبه.

وألقي القبض على قيادات الجماعة بما في ذلك المرشد العام والرئيس المعزول محمد مرسي. واحتجر مرسي في مكان غير معلوم منذ أربعة أشهر، ومثل أمس أمام المحكمة في نفس المكان الذي تجري فيه محاكمة مبارك في أكاديمية الشرطة.

ويعتبر المصريون أن محاكمة كل من مرسي، ومن قبله الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك لتورطهما في قتل المتظاهرين المعارضين لنظاميهما، جاءت تأكيدا على أن الشعب المصري قادر على فرض إرادته على أي نظام يتجاهل مطالبه ولا تعكس سياسته جهودا في مواجهة مشاكل المجتمع، حيث اتفق الكثيرون على أن نظام مبارك لم ير إلا مصالحه، فثار عليه الشعب، أما محمد مرسي، الذي لم يهتم إلا بتوسيع نفوذ التنظيم الإخواني الدولي، على حساب مطالب الشعب لتنفيذ أجندات الإخوان في إقامة خلافة إسلامية و أخونة الدولة، فأدت سياسته إلى ثورة الشعب عليه وعزله من قبل الجيش.

الإخوان المتهمون


محمد مرسي الذي ارتبطت فترة صعوده للحكم بتوسع تنظيم الإخوان المسلمين و تغلغلهم في مفاصل الدولة، يواجه اتهامات تصل عقوبتها إلى الإعدام، بتهم قتل متظاهرين أمام قصر الاتحادية، إبان وجوده في السلطة، يشاركه فيها 14 قياديا من التنظيم وأبرزهم: نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، التابع لجماعة الإخوان، عصام العريان والقيادي في الجماعة محمد البلتاجي ونائب رئيس ديوان رئيس الجمهورية أسعد شيخة، ومدير مكتب محمد مرسي، أحمد عبد العاطي، والمستشار السابق لمرسي، أيمن عبد الرؤوف، إلى جانب آخرين من أعضاء الجماعة والتيارات المؤيدة للرئيس المعزول.

وتعود وقائع القضية إلى الخامس من كانون الأول- ديسمبر 2012 حينما هاجم مئات من أنصار الرئيس المعزول، اعتصاماً أقامه متظاهرون بمحيط قصر «الاتحادية» احتجاجاً على إعلان دستوري أصدره مرسي في 22 تشرين الثاني- نوفمبر تضمَّن موادا حصَّنت قرارات رئيس الجمهورية من الطعن بأي شكل من الأشكال، ما اعتبره معارضون تأسيساً لديكتاتورية جديدة في البلاد.

وأسفرت محاولة فض الاعتصام عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 57 آخرين بإصابات متنوعة نتيجة احتجازهم بطريقة غير قانونية على يد أنصار مرسي، فيما تسببت الواقعة في وقوع مصادمات دامية بين أنصار مرسي ومعارضيه في جميع أنحاء البلاد أسفرت عن مقتل المئات وإصابة بضعة آلاف من الجانبين.

الموقف القانوني


الرئيس المعزول يواجه اتهامات تتراوح عقوبتها ما بين الأشغال الشاقة والإعدام، كما أن هناك اتهامات أخرى تجري النيابة المختصة فيها التحقيق، ولم تأمر بعد بإحالتها إلى المحكمة، منها فتح السجون والتخابر مع جهات أجنبية، وبلاغات بالفساد وتضخم الثروة واستغلال النفوذ بالإفراج عن معتقلين يمثلون خطرا على الأمن القومي للبلاد.

بدا الشارع المصري في حالة ترقب لما سيؤول إليه حال الأوضاع الأمنية مع تهديدات أنصار مرسي بافتعال مواجهات، خاصة بعد تصريح رئيس الحكومة حازم الببلاوي الذي أكد أن الدولة تتوقع أعمال عنف من جانب مؤيدي الجماعة خلال جلسات محاكمة محمد مرسي، وأنها ستقف لمنع الاعتداء على الممتلكات.

وأشار إلى أن هناك من يحاول إفساد المسار الذي تسير فيه البلاد ويسعى إلى إنهاك الدولة ومؤسساتها. وكانت جماعة الإخوان المسلمين دعت أنصارها إلى «الزحف إلى المحاكمة» كما دعا «تحالف دعم الشرعية ورفض الانقلاب» الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين إلى تظاهرات كبيرة بمناسبة بدء المحاكمة. ونشرت الجماعة التي تعاني حاليا من التشرذم سلسلة من البيانات تحث فيها ملايين المصريين على الخروج إلى الشوارع للتعبير عن دعمهم لمرسي.

وكان مراقبون قد حذروا من أن تحاول الجماعات المتشددة، التي تؤيد مرسي، زيادة عمليات العنف والخروج في مظاهرات محاولة استفزاز الأهالي بهدف نشر الفوضى.

رئيس "شرعي"


خلال اليوم الأول من محاكمته، ما فتئ محمد مرسي يردّد كلمته المفضلة، وهي «الشرعية»، وأخذ يهتف «يسقط يسقط حكم العسكر» ووصف نفسه بأنه الرئيس «الشرعي» للبلاد. وبدا الرئيس المصري السابق غاضبا وقاطع الجلسة مرارا مما اضطر القاضي إلى رفعها. ورفع مرسي الذي كان يرتدي زيا مدنيا أزرق يده وهو يقف في قفص الاتهام بعلامة اقترنت بالاحتجاج على فض قوات الأمن لاعتصام مؤيديه في منطقة رابعة بالقاهرة في أغسطس – آب.

وتثير المحاكمة القلق إزاء انعدام الاستقرار في البلاد مع إعلان جماعة الإخوان المسلمين أنها ستقاوم حملة أمنية تستهدفها وأنها لن تتوقف عن تنظيم احتجاجات ضد الجيش. وكانت انتفاضة شعبية أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك في 2011 وبعثت الأمل في أن مصر ستطبق الديمقراطية وستنعم في نهاية المطاف برخاء اقتصادي لكن الشكوك زادت بسبب رغبة الإخوان المسلمين في التمسّك بالسلطة رغم فشلهم ورفض أغلبية الشعب لهم.

ومن المرجح أن تكون محاكمة مرسي و14 إسلاميا آخر نقطة جديدة في المواجهة بين الطرفين. وهم يواجهون تهم التحريض على العنف الذي أدى إلى مقتل نحو عشرة أشخاص في اشتباكات خارج قصر الاتحادية الرئاسي في ديسمبر – كانون الأول.

وقرر رئيس الدائرة 23 بمحكمة جنايات شمال القاهرة برئاسة المستشار أحمد صبري يوسف، تأجيل نظر القضية إلى 8 يناير- كانون الثاني 2014 مع استمرار حبس المتهمين على ذمة القضية.

وأعلنت السلطات المصرية إيداع الرئيس المعزول محمد مرسي سجن «برج العرب» غرب محافظة الإسكندرية الساحلية. وأبلغت مصادر أمنية مصرية مندوبي الصحافة ووسائل الإعلام، بأن الرئيس المعزول محمد مرسي سينقل إلى سجن «برج العرب» لقضاء فترة الحبس الاحتياطي على ذمة اتهامه وآخرين بالتحريض على قتل متظاهرين سلميين. وأشارت إلى أنه سينقل مرسي بمروحية إلى مطار «برج العرب» ليتم إيداعه السجن مرّة أخرى بعد أن ذاق طعم السلطة.

7