على شرفة الغياب

السبت 2014/12/27

لا ثلوج اليوم على سفح الشتاء، لا مزيد من رسائل وبطاقات معايدة، لا جدوى من شريط أمنيات فاترة، لا وجه ننتظره على شرفة الغياب، لا لون لمرافئ الوصول، لا معنى للبكاء والانكفاء على صباح أخير فرّ من غفوتنا، لا وهم يبتسم بخجل، لا حلم يتعثر بيقظة، لا ابتسامة تتصنع الفرح، لا دمعة تتبنى الرحيل، لا لحن في كلمات، لا صوت في ضجيج، لا رجوع إلى بداية، لا أخبار لحكايات، لا عنوان لنهاية، لا حقائب لعودة، لا ملامح في وجه المساء، لا سماء إلى نجوم، لا قيثارة إلى فرح، لا خطوات لطريق، لا محطات لانتظار، لا خطوات إلى غد، لا شيء يغفو على قارعة الفراغ الذي يشغله العالم في داخلنا.

وحيث القوارب الساكنة في المرافئ البعيدة والطيور العاطلة عن العمل والستائر المسدلة على وجه النهار والنهايات المقطوعة الأوصال والبدايات المؤجلة في بريد الغد، يصطبغ لون الشتاء الجديد برماد اللحظة، ليستر عن عيون النافذة الأخيرة لون الربيع الراحل الذي خشي أن يحل ضيفاً ثقيل الظل فتسلل على عجل من فتحات النوافذ الضيقة، لتوصد الأبواب من دونه.

ما زال رجل الثلج الرمادي الذي حافظ على ظله منذ الشتاء الماضي، يقف وحيداً على مفترق طرق، وعلى أبواب البرد يستجدي بنظرات زائغة خطوات المارة اللامبالية، فيعود مكسور الخاطر ليسكن في صفحات الحكايات البعيدة ثم، يطويه النسيان.

ما الذي حل بالعيد؟ وكيف انصهر في جسده الفتي رداء الموت؟ ولماذا تزاحمت ملامح الراحلين على وجهه الأبيض، وأزهرت الأحزان وريقات غضة على أشجاره؟

ما الذي حل بالغياب؟ وكيف أصبح عنواناً للانتظار؟ ولماذا عاد من رحلته الأخيرة ناصعاً أسمر القسمات خالي الوفاض؟

ما الذي حل بالحلم؟ وكيف أصبح مرسى للنهايات؟ ولماذا فقد بريقه وامتلأت صفحاته بلون الرماد؟

ما الذي حل بشجرة الأمنيات؟ وكيف ذبلت أوراقها الزاهية وشحبت ثمارها الغضة؟ ولماذا انحنت قسماتها عند أول العاصفة؟

ما الذي حل بالأغنيات؟ وكيف أصبحت صدى لهذيانات الغربان؟ ولماذا صارت تقف مكتوفة الألحان وهي تنشد قصيدة العذاب الطويلة؟

ما الذي حل بالسماء؟ ولماذا فقدت نجومها بريق الأمنيات؟ وكيف استحالت غيومها عناوين ضجر ورسل فجيعة؟

ما الذي حل بالشتاء؟ وكيف بات ينهش أوصال المشردين والمهجرين في أوحال الخيام؟ ولماذا نسي ملامح الأحبة وابتسامات الأصدقاء وأذرعهم الملتفة حول دفء موقده الجميل؟

لا ثلوج اليوم على وجه الشتاء، لا دفء في طيات ثوبه، لا أمنيات على صفحة سمائه الزرقاء، لا حكايات على دفء الموقد ولا كستناء، لا رسائل منقوشة بالورد لا أعياد، لا وجه ننتظره على درب الغياب، لا لون لمرافئ الاشتياق ولا عنوان، لا وهم أو حلم يتعثر بيقظة وشيكة، لا لحن يهيم في عذب الكلام، لا حقائب محزومة في طريق العودة الطويل، لا قيثارة إلى فرح ملوّن، لا محطات لانتظار من رحل وفقد طريق الرجوع، لا خطوات عجلى لغد آخر، لا شيء يعلو فوق سحب الغياب، لا شيء.

21