على عتبات فصل بارد، في ذكرى الشاعرة الإيرانية فروغ فرُّخ زاد

الجمعة 2014/02/21
فروغ تقف في وجه تقاليد المجتمع

ذكرى الشاعرة الإيرانية فروغ فرّخ زاد مقترنة بالشتاء والبرد والثلج.. قصيدتها الشهيرة التي تبدأ ببيتها الأشهر: “وهذه أنا/ امرأة وحيدة/ على عتبات فصل بارد” والتي بدأت بها مرحلتها الشعرية الثانية، ثم موتها المبكر والمفاجئ في مثل هذه الأيام الشتوية جعل ذكرى رحيلها، ممزوجة برائحة البرد والشتاء. ولا شك أن فروغ فرّخ زاد هي أهم شاعرة إيرانية، تركت أثرا لا يستهان به في الشعر الفارسي المعاصر، وبالرغم من عمرها القصير، إلا أن اسمها بقي خالدا إلى جانب الأدباء الكبار في إيران والعالم.

ولدت فروغ عام 1934 في طهران. تزوّجت في سنّ مبكرة أي في السادسة عشرة من عمرها من رجل يكبرها بخمسة عشر عاما، إلا أن هذا الزواج لم يدم أكثر من خمسة أعوام. حيث انفصلت فروغ عن زوجها، إلا أن تعرفها بعد سنوات على الكاتب والمخرج العبقري الإيراني “إبراهيم كُلِستان”، كان نقطة تحوّل في حياتها. فدخلت بتأثر منه مجال السينما تمثيلا وإخراجا، وأخرجت أحد أهم الأفلام التسجيلية في إيران والذي تمّ تصويره في دار المجذومين، تحت عنوان “البيت أسود”. وقد حصل هذا الفيلم على جائزة أفضل فيلم في مهرجان “أوبير هاوزن” بألمانيا.

كما أنها شاركت في إعداد أفلام ناجحة أخرى، وقامت أيضا بالتمثيل. وفي عام 1965 أخرج المخرج الإيطالي، برناردو برتولوتشي فيلما في نصف ساعة عن حياة فروغ فرخ زاد بطلب من منظمة اليونسكو.

مقاطع من قصيدة "فلنؤمن بحلول الفصل البارد"
وهذه أنا/ امرأة وحيدة/ على عتبات فصل بارد/ في بداية استيعاب كيان الأرض الملوّث/ ويأسِ السماء البسيط الحزين/ وعجزِ الأيدي الأسمنتية.

مرّ الزمان/ مرّ الزمان ودقّت الساعة أربعَ مرّات/ دقّت أربعَ مرّات/ إنه اليومُ الأوّل من شهر “دِيْ” (الشهر الأول من فصل الشتاء وفق التقويم الإيراني، ويبدأ في نهايات ديسمبر).

أنا أعرف سرّ الفصول/ وأفهم كلام اللحظات/ المنجي نائم في القبر/ والتربةُ، التربةُ الرحبةُ/ إشارةٌ إلى الهدوء/ مرّ الزمان ودقّت الساعةُ أربعَ مرّات/ ريحٌ تهبّ في الزقاق/ وغِربانُ الانزواء الوحيدة/ تدور في حدائق الكسل الهرِمة/ والسلّم/ يا لَوَضاعة ارتفاعه.

إنهم حملوا معهم سذاجةَ القلب كلَّها/ نحو قصر الحكايا/ والآن/ كيف يمكن لواحدة أن تقوم للرقص/ وتسكب جدائلَ طفولتها/ في المياه الجارية/ وأن تركل التفاحة التي اقتطفتْها أخيرا وشمّتها؟

يا حبيبي، يا حبيبي الأوحد/ كم من سُحبٍ سوداءَ تنتظر يوم ضيافة الشمس.

ولفروغ وجهان وتجربتان. الوجه الأول يشمل دواوينها الثلاثة الأولى. وهو وجه متمرّد لامرأة تعيش في بيت محاصر، فهي تتحدّث خلال تجربتها الأولى عن امرأة وحيدة ومتمرّدة ومعترضة، تساورها مشاعر المرأة والأمّ.

إضافة إلى ذلك تروم إلى الوقوف في وجه تقاليد الأسرة والمجتمع. لا اختلاف في الأساليب الشعرية لديها عما يكتب معاصروها آنذاك، إلا أن صوتها المعترض كان فريدا، ميّزها منذ بدايتها الشعرية عن شاعرات عصرها وشعرائه.

أما الوجه الآخر لفروغ فرخ زاد فيبدأ بصدور ديوانها “ميلاد آخر”، فهو ميلاد حقيقي آخر، أظهرت الشاعرة عبره وجها عالميا عن نفسها وعن شعرها، وأسلوبا منفردا خاصا بها، وذلك عبر تطور الفكر واللغة والتعبير لديها.

نظرتها نحو العالم تحوّلت من شاعرة تكتب حسب غريزتها ومشاعرها إلى شاعرة تروّض المشاعر والأحاسيس وتسكبها في ظرف لغوي محرّرة نفسها من القوالب السائدة لدى الشعراء الرومنطيقيين آنذاك، وفروغ، هي التي تقول في حوار لها: «أعتقد أن العمل الأدبي ينبغي أن يلازمه الوعي، وعي بالنسبة للحياة والوجود والجسم، وحتى بالنسبة لهذه التفاحة التي نقضمها؛ لا يمكن أن نعيش حسب الغرائز فقط، بمعنى أن الفنان لا يستطيع ذلك، كما لا يمكنه».

وعندما نقوم بدراسة شعر فروغ منذ البداية حتى نهاية مسارها الشعري، نجد أنها شاعرة مستقلة استخدمت وعيها وذكاءها وذاتها الشاعرة لتسير في طريق الحرية والخلود مثل أيّة شاعرة عظيمة أو شاعر عظيم.

أصدرت فروغ خلال حياتها خمسة دواوين؛ “الأسيرة” (1952)، “جدار” (1957)، “تمرّد” (1959)، “ميلاد آخر” (1962) وديوانها الأخير الذي لم ينته “فلنؤمن بحلول الفصل البارد”، وقد صدر بعد وفاتها. توفيت فروغ شتاء عام 1966 إثر حادث سيارة.

14